د. هيثم علي حجازي يكتب: تجربة المواطن مع الخدمات الحكومية: ما الذي يجب تحسينه؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 12169
د. هيثم علي حجازي يكتب: تجربة المواطن مع الخدمات الحكومية: ما الذي يجب تحسينه؟
د. هيثم علي حجازي

د. هيثم علي حجازي

لم تعد جودة الخدمات الحكومية تُقاس فقط بعدد المعاملات المنجزة أو بسرعة إصدار الوثائق، بل أصبحت تُقاس بدرجة رضا المواطن عن تجربته الكاملة منذ لحظة البحث عن الخدمة وحتى الحصول عليها. فالمواطن اليوم لا يريد خدمة متاحة فحسب، بل يريد خدمة واضحة، سهلة، عادلة، سريعة، تحترم وقته وكرامته.
إن تجربة المواطن مع الخدمات الحكومية تمثل الواجهة الحقيقية لأداء المؤسسات العامة. فعندما يراجع المواطن دائرة حكومية أو يستخدم منصة إلكترونية رسمية، فإنه لا يتعامل مع إجراء إداري فقط، بل يكوّن انطباعا عن كفاءة الدولة وقدرتها على تلبية احتياجاته اليومية. ومن هنا تأتي أهمية تحسين هذه التجربة بوصفها جزءا أساسيا من الإصلاح الإداري وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وبهدف تحسين هذه التجرية، فإنه يجب العمل على:
أولا: تبسيط الإجراءات وتقليل التعقيد. فمن أبرز التحديات التي تواجه المواطن في التعامل مع الخدمات الحكومية كثرة المتطلبات وتعدد الخطوات وتكرار طلب الوثائق نفسها في أكثر من جهة. ومثل هذا التعقيد يستهلك الوقت والجهد، ويخلق شعورا بالإرباك وعدم الرضا. لذلك، فإن تحسين تجربة المواطن يبدأ من مراجعة الإجراءات نفسها، لا من تجميل واجهتها فقط؛ وبالتالي يجب أن تُطرح أسئلة بسيطة داخل كل مؤسسة: هل كل وثيقةٍ مطلوبةٍ ضروريةٌ فعلا؟ هل يمكن اختصار عدد الخطوات؟ هل يمكن مشاركة البيانات بين الجهات الحكومية بدلا من مطالبة المواطن بإحضارها في كل مرة؟ إن تبسيط الإجراءات ليس رفاهية إدارية، بل ضرورة لتحسين الكفاءة وتقليل الضغط على المواطن والموظف معا.
ثانيا: التحول الرقمي يجب أن يكون سهل الاستخدام. لقد شهدت السنوات الأخيرة توسعا كبيرا في تقديم الخدمات الحكومية إلكترونيا، وهو توجه مهم ومطلوب. لكن التحول الرقمي لا يعني مجرد نقل النماذج الورقية إلى شاشة إلكترونية. فالخدمة الرقمية الناجحة هي التي يستطيع المواطن استخدامها بسهولة دون الحاجة إلى شرح طويل أو مساعدة متكررة. وكثير من المواطنين يواجهون صعوبات بسبب تعقيد المنصات، أو ضعف وضوح التعليمات، أو كثرة الأعطال التقنية، أو عدم ملاءمة بعض الخدمات لكبار السن وذوي الإعاقة والأشخاص الأقل خبرة بالتكنولوجيا. ولذلك، يجب أن يكون تصميم الخدمات الرقمية قائما على احتياجات المستخدم، مع واجهات واضحة، وخطوات مختصرة، ودعم فني سريع، وخيارات بديلة لمن لا يستطيع استخدام الوسائل الإلكترونية.
ثالثا: احترام وقت المواطن. الوقت من أهم عناصر تجربة الخدمة. فطول الانتظار، وعدم وضوح مدة إنجاز المعاملة، والاضطرار إلى مراجعة أكثر من جهة، كلها عوامل تؤثر سلبا في ثقة المواطن ورضاه. ومن غير المقبول أن يبقى المواطن عالقا بين المواعيد الطويلة، والردود غير الواضحة، والمتطلبات المتغيرة. إن تحسين هذه النقطة يتطلب اعتماد مواعيد دقيقة، وإبلاغ المواطن بمدة الإنجاز المتوقعة، وتوفير خدمة تتبع حالة المعاملة، وتقليل الحاجة إلى الحضور الشخصي إلا عند الضرورة. كما أن قياس متوسط زمن تقديم الخدمة يجب أن يكون مؤشرا رئيسيا في تقييم أداء المؤسسات الحكومية.
رابعا: وضوح المعلومات وتوحيدها. في كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في الخدمة نفسها، بل في غياب المعلومة الواضحة حولها. وقد يبحث المواطن عن شروط خدمة معينة فيجد معلومات مختلفة بين موقع إلكتروني، ومركز اتصال، وموظف استقبال. وهذا التفاوت يخلق ارتباكا ويؤدي إلى مراجعات غير ضرورية. لذلك، لا بد من توحيد المعلومات الرسمية وتحديثها باستمرار، ونشرها بلغة بسيطة يفهمها الجميع. ويجب أن يعرف المواطن مسبقا ما هي الوثائق المطلوبة، وما الرسوم، وما المدة الزمنية، وما القنوات المتاحة، وما الخطوات التالية. فكلما كانت المعلومات واضحة، قلت الأخطاء، وتراجعت الشكاوى، وتحسنت جودة التجربة.
خامسا: تطوير ثقافة التعامل مع الجمهور. لا تكتمل جودة الخدمة من دون موظف قادر على التعامل باحترام ومهنية. فحتى لو كانت الأنظمة متقدمة، فإن أسلوب التعامل مع المواطن يبقى عنصرا حاسما في تكوين الانطباع العام. إن الكلمة الطيبة، والشرح الواضح، والإنصات للمشكلة، والاعتذار عند الخطأ، كلها تفاصيل ذات وقع كبير. ولذلك، يجب الاستثمار في تدريب موظفي الصف الأمامي على مهارات التواصل، وإدارة ضغط العمل، وحل المشكلات، والتعامل مع الفئات المختلفة من المواطنين. كما ينبغي أن يشعر الموظف نفسه بالدعم والتمكين، لأن بيئة العمل الداخلية تنعكس مباشرة على جودة الخدمة المقدمة للجمهور.
سادسا: الاستماع إلى ملاحظات المواطنين. فمن الخطأ أن تُصمم الخدمات الحكومية بمعزل عن مستخدميها. فالمواطن هو الأقدر على تحديد نقاط الضعف في تجربته اليومية. لذلك، يجب إنشاء قنوات فاعلة لاستقبال الملاحظات والشكاوى والاقتراحات، والأهم من ذلك أن تُستخدم هذه الملاحظات لتحسين الخدمة فعلا، إذ لا يكفي وجود صندوق شكاوى أو نموذج إلكتروني لا يعرف المواطن ما الذي حدث بعد تعبئته. والمطلوب هو نظام واضح لمعالجة الملاحظات، وإبلاغ المواطن بالنتيجة، وتحليل الشكاوى المتكررة لمعرفة أسبابها الجذرية. فالشكوى ليست عبئا على المؤسسة، بل فرصة مجانية لاكتشاف الخلل وتحسين الأداء.
سابعا: العدالة وسهولة الوصول للجميع. إن تحسين تجربة المواطن لا يعني تحسين تجربة فئة واحدة فقط، بل يجب أن تشمل الخدمات جميع المواطنين على اختلاف أعمارهم، ومناطقهم، وقدراتهم، ومستوياتهم التعليمية والتقنية. هناك مواطنون في مناطق بعيدة، وكبار سن، وأشخاص من ذوي الإعاقة، وأفراد لا يملكون اتصالا دائما بالإنترنت أو معرفة كافية باستخدام التطبيقات. لذلك، يجب تصميم الخدمات الحكومية بمنطق الشمول، من خلال توفير قنوات متعددة: إلكترونية، وهاتفية، ومراكز خدمة، ومكاتب متنقلة عند الحاجة. كما يجب ضمان أن تكون الخدمات الرقمية متوافقة مع معايير سهولة الوصول، وأن تكون اللغة المستخدمة واضحة وغير معقدة.
في الحالة الأردنية، شهدت الخدمات الحكومية تطورا ملحوظا في مسار التحول الرقمي، خصوصا من خلال بوابة الحكومة الإلكترونية وتطبيق "سند" الذي يُقدَّم بوصفه منصة موحدة للخدمات الحكومية الرقمية. ويتيح تطبيق سند للمواطنين تفعيل الهوية الرقمية، والوصول إلى المستندات والسجلات الشخصية، ودفع الفواتير، وإنجاز عدد من الخدمات الحكومية من أي مكان وفي أي وقت.
لكن التجربة الأردنية تُظهر أيضا أن نجاح التحول الرقمي لا يعتمد فقط على إطلاق التطبيقات والمنصات، بل على سهولة استخدامها وانتشارها الفعلي بين المواطنين. فما زال بعض المواطنين يواجهون تحديات تتعلق بضعف المعرفة باستخدام المنصات، أو الحاجة إلى مراجعة مراكز الخدمة في بعض الإجراءات، إضافة إلى تفاوت القدرة على استخدام التكنولوجيا بين فئة وأخرى.
لذلك، فإن تحسين تجربة المواطن في الأردن يتطلب الانتقال من التركيز على “رقمنة الخدمة” إلى التركيز على “سهولة رحلة المواطن”. وهذا يعني توسيع حملات التوعية، وتعزيز الدعم الفني، وضمان شمول كبار السن وسكان المناطق البعيدة والأشخاص الأقل خبرة بالتكنولوجيا. كما يتطلب الأمر ربطا أفضل بين المؤسسات الحكومية حتى لا يضطر المواطن إلى تكرار إدخال البيانات أو إحضار الوثائق نفسها أكثر من مرة. فنجاح التجربة الأردنية في الخدمات الحكومية لن يُقاس بعدد الخدمات الرقمية فقط، بل بمدى شعور المواطن أن هذه الخدمات جعلت حياته أسهل فعلا.
إن تحسين تجربة المواطن مع الخدمات الحكومية ليس مشروعا تقنيا فقط، ولا حملة مؤقتة لتجميل الصورة، بل هو نهج إداري مستمر يقوم على فهم احتياجات الناس، واحترام وقتهم، وتبسيط حياتهم. فكل خدمة حكومية سهلة وسريعة وواضحة تعني مواطنا أكثر ثقة ورضا، ومؤسسة أكثر كفاءة، ودولة أكثر قربا من الناس.
المطلوب اليوم هو الانتقال من سؤال: “كيف ننجز المعاملة؟” إلى سؤال أعمق: “كيف نجعل تجربة المواطن أفضل؟” فالإجابة عن هذا السؤال هي الطريق الحقيقي نحو خدمات حكومية حديثة، إنسانية، وفاعلة.
وفي الأردن تحديدا، تبدو الفرصة كبيرة للبناء على ما تحقق في التحول الرقمي، لكن التحدي الحقيقي يبقى في جعل هذه الخدمات أكثر قربا من المواطن، وأكثر بساطة، وأكثر قدرة على الوصول إلى جميع الفئات دون استثناء.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم