محمد عبدالله القضاه يكتب: "نظام الطيّبات" بين تحريم الطيب وإباحة الخبيث!!

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 12449
محمد عبدالله القضاه يكتب: "نظام الطيّبات" بين تحريم الطيب وإباحة الخبيث!!
محمد عبدالله القضاه

محمد عبدالله القضاه

مِن أخطر صور الانحراف الفكري والديني أن يتحول الرأي الشخصي إلى شريعة، وأن يُمنح بعض الناس لأنفسهم حق إعادة تعريف “الطيب” و“الخبيث” في الطعام والشراب، وكأن الوحي لم يكتمل إلا بآرائهم! لقد انتشر ما يُعرف بـ"نظام الطيبات" حتى أصبح عند بعض أتباعه أشبه بعقيدة غذائية مغلقة، يُنظَر من خلالها إلى أطعمة أحلها الله ورسوله بعين الاشتباه والتنفير، حتى أوهموا الناس أن الدجاج والبيض واللبن والخضروات الورقية من “الخبائث”، بينما تُقدَّم أطعمة مليئة بالسكريات والمواد المصنعة وكأنها “طيبات” مباركة! وهذا ليس مجرد خطأ غذائي، بل عبث خطير بمفاهيم شرعية عظيمة تتعلق بالحلال والحرام. ويمكن الرد على ذلك بمايلي:
أولاً: من أعطى البشر حق التحليل والتحريم؟
إن التحليل والتحريم ليسا حقًا لطبيب، ولا لمؤثر، ولا لصاحب تجربة شخصية، بل حق خالص لله سبحانه وتعالى. قال عز وجل: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116]. فكيف يتجرأ إنسان على وصف أطعمة أباحها الله ورسوله بأنها “خبائث” ثم يُسوَّق هذا الكلام للعامة وكأنه جزء من الدين؟! لقد كان العلماء عبر القرون يرتعدون خوفًا من إطلاق لفظ “حرام” بغير دليل قطعي، بينما أصبح البعض اليوم يوزع أوصاف “الخبث” و“الطهارة” على الأطعمة وكأنه يملك سلطة تشريعية فوق النصوص! وقد قال الإمام محمد بن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ إن الطيبات هي الحلال الذي أحله الله لعباده. فهل أصبح تفسير القرآن اليوم يُؤخذ من الأنظمة الغذائية لا من علماء الأمة؟!
ثانياً: مصادمة وقحة للسنة النبوية الصحيحة
إن الكارثة الحقيقية في هذا الطرح أنه لا يكتفي بمخالفة الفهم الشرعي، بل يصادم السنة النبوية الصحيحة صدامًا مباشرًا. ففي صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: “رأيتُ النبيَّ ﷺ يأكلُ لحمَ دجاجٍ” (البخاري: 5517)، وفي صحيح مسلم كذلك حديث أكل الدجاج (مسلم: 1649). فإذا كان رسول الله ﷺ يأكل الدجاج، فمن الذي يجرؤ بعد ذلك على إقناع الناس بأنه “خبيث”؟! وهل بلغ بعض المتحمسين مرحلة يرون فيها أنفسهم أحرص على صحة البشر من رسول الله ﷺ؟! وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: “أن النبي ﷺ شرب لبنًا فمضمض” (البخاري: 5612). فهل اللبن الذي شربه النبي ﷺ وأقره الشرع يصبح فجأة “غذاءً خبيثًا” لأن شخصًا ما قرر ذلك بناءً على اجتهاده الخاص؟! أما الحديث الجامع، فقد رواه سنن الترمذي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “الحلال ما أحلَّ الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه” (الترمذي: 1726، وحسنه الألباني). لكن يبدو أن بعض الناس لم يعد يكتفي بما أحله الله، بل يريد إنشاء قوائم تحريم جديدة باسم “الوعي الغذائي” و“النقاء الصحي”.
ثالثاً: تناقض فج مع أبسط الحقائق العلمية
والمفارقة المثيرة للسخرية أن كثيرًا مما يُصنَّف ضمن “الخبائث” في هذا النظام هو في الحقيقة من أكثر الأغذية التي تدعمها الأبحاث الطبية الحديثة. فالبيض مصدر ممتاز للبروتين والعناصر الأساسية، والدجاج من أكثر اللحوم توازنًا من الناحية الصحية، والألبان مصدر مهم للكالسيوم والبروتين، والخضروات الورقية ترتبط في الدراسات الحديثة بانخفاض خطر أمراض القلب والالتهابات.
وفي المقابل، فإن العالم الطبي كله تقريبًا يحذر من الإفراط في السكريات المضافة والمشروبات المصنعة والحلويات التجارية بسبب علاقتها المباشرة بالسمنة والسكري وأمراض القلب والكبد الدهني. فكيف يُعقل أن يتحول الغذاء الطبيعي الذي عرفه البشر لقرون إلى “خبيث”، بينما يتم التغاضي عن أخطر مسببات الأمراض الحديثة؟! إن هذا ليس منهجًا علميًا، بل خطاب عاطفي قائم على التهويل والتقسيم الساذج للطعام إلى “ملائكي” و“شيطاني”.
رابعاً: صناعة قداسة زائفة حول الاجتهادات الشخصية
إن أخطر ما فعله هذا الطرح أنه نقل الناس من احترام الطبيب إلى تقديسه، ومن الاستفادة من النصيحة الطبية إلى التعامل معها كأنها وحي لا يُناقش. فتحولت اجتهادات غذائية قابلة للصواب والخطأ إلى ما يشبه “العقيدة”، وأصبح من يخالفها يُنظر إليه وكأنه يفرّط في صحته ودينه معًا. وهذا خلط مدمر بين الطب والشريعة. فالطبيب – مهما بلغ علمه – ليس مفتيًا باسم الله، ولا يملك أن يحوّل المباح الشرعي إلى دائرة “الخبث” والتنفير الديني. كما أن موت أصحاب الأفكار لا يمنح أفكارهم حصانة مقدسة، فالحق لا يُعرف بالرجال، بل الرجال يُعرفون بالحق.
وفي الختام، فإن الإسلام لم يأتِ ليحوّل حياة الناس إلى قوائم طويلة من الممنوعات البشرية، ولم يجعل التدين قائمًا على الوسوسة الغذائية والتشدد في المباحات. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. وكان النبي ﷺ يحذر من الغلو والتشدد، لأن أول طريق الانحراف أن يبدأ الإنسان بتحريم ما لم يحرمه الله. ولذلك فإن الواجب اليوم هو إعادة الأمور إلى نصابها: الشرع يُؤخذ من الوحي، والطب يُؤخذ من أهله ضمن حدوده، أما تحويل الآراء الغذائية إلى دين جديد يُمارس على الناس بالترهيب والشعور بالذنب، فذلك انحراف فكري وديني لا يجوز السكوت عنه.
*كاتب بالشؤون الإسلامية
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم