القضاه يكتب: قمة بكين: رسائل تايوان وإيران والتجارة في خضم إعادة تشكيل النظام الدولي

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 17501
 القضاه يكتب: قمة بكين: رسائل تايوان وإيران والتجارة في خضم إعادة تشكيل النظام الدولي
د.عبدالله محمد القضاه

د.عبدالله محمد القضاه


لم تكن قمة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل كانت لحظة فارقة كشفت عن عمق التوتر الكامن في العلاقة بين القوتين الأعظم عالمياً، وفي الوقت ذاته، الحاجة الماسة والمتبادلة لضبط هذا التوتر قبل أن يتفاقم إلى مواجهة أوسع نطاقاً. لقد دخل ترامب هذه المحادثات ساعياً لتحقيق اختراقات اقتصادية وسياسية، بينما حرص شي على ترسيخ صورة الصين كقوة فاعلة لا تكتفي بردود الأفعال، بل تسعى بنشاط لصياغة قواعد الاشتباك الدولية المستقبلية.
جاءت الرسالة الأوضح من القمة بخصوص ملف تايوان. فقد حذر الرئيس الصيني بوضوح من أن سوء إدارة هذا الملف قد يدفع العلاقات الصينية الأمريكية إلى "مكان خطير جداً". هذا التحذير لم يكن مجرد تصريح دبلوماسي، بل إشارة قوية إلى أن بكين لا تزال تعتبر الجزيرة خطاً أحمر سيادياً لا يقبل الغموض أو المساومة. هذا الموقف يتسق مع الواقع الميداني، حيث تظل تايوان القضية الأكثر قابلية لإشعال أزمة مباشرة بين الطرفين. في المقابل، تؤكد واشنطن التزامها القانوني والسياسي المستمر بدعم قدرة تايبيه على الدفاع عن نفسها، مما يخلق حالة من التوازن الهش والمخاطر المتزايدة في المنطقة.
لم يقتصر جدول أعمال ترامب في بكين على الشأن الصيني فحسب، بل حمل معه أيضاً ثقل الحرب في إيران وتداعياتها على الاقتصاد العالمي وممرات الطاقة الحيوية. كانت واشنطن تأمل في أن تلعب الصين دوراً محورياً في تخفيف الضغط على مضيق هرمز ودفع طهران نحو تسوية سياسية. إلا أن بكين تنظر إلى هذا الملف من منظور مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية البحتة، لا من منطلق تقديم إغاثة مجانية للولايات المتحدة. فالصين تعتمد بشكل كبير على واردات النفط الإيراني، حيث تستقبل أكثر من 80% من الصادرات النفطية الإيرانية المشحونة. هذا الاعتماد يمنح بكين نفوذاً اقتصادياً كبيراً، لكنه لا يحولها تلقائياً إلى أداة لتنفيذ الأجندة الأمريكية، بل يعزز من موقفها التفاوضي كلاعب مستقل.
والتساؤل هنا: هل إنتهى التنافس بين الدولتين؛ وما هي طبيعة هذه العلاقة ؟ تتجلى هنا الطبيعة المعقدة للعلاقة بين واشنطن وبكين: إنها ليست علاقة قطيعة تامة ولا شراكة مستقرة، بل هي معادلة تفاوضية بالغة التعقيد. كان ترامب يسعى لتحقيق إنجازات ملموسة تخفف من تكلفة الحرب والضغوط الداخلية التي يواجهها، بينما كانت بكين تهدف إلى ترسيخ مصالحها في مجالات التجارة والتكنولوجيا دون تقديم تنازلات تمس جوهر موقفها من تايوان أو تقلص هامش تحركها الإقليمي. لذا، بدت لغة القمة أقرب إلى "إدارة التنافس" منها إلى إنهائه. وقد عكس ذلك حديث الجانبين عن صياغة علاقة "بناءة ومستقرة استراتيجياً"، مما يشير إلى إدراك الطرفين أن الصدام الشامل مكلف للغاية، لكن كل طرف لا يزال يختبر حدود الآخر ويستكشف نقاط القوة والضعف لديه.
من هذا المنظور، لا يمكن اعتبار القمة إعلاناً عن انتقال القيادة العالمية من واشنطن إلى بكين، بقدر ما هي كاشفة عن عالم يتجه نحو توازنات أكثر تعقيداً وأقل استقراراً. فالولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بتفوق مالي وعسكري وتحالفي كبير، مع استمرار هيمنة الدولار كعملة احتياطية عالمية بنسبة تقارب 56.77% في الربع الرابع من عام 2025، وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي. في المقابل، لا تزال حصة اليوان الصيني محدودة جداً، عند نحو 1.95% فقط. هذا الواقع يؤكد أن الحديث عن إلغاء الدولرة لا يزال، حتى الآن، أقرب إلى اتجاه سياسي طويل الأمد منه إلى تحول فعلي حاسم يطيح بالنظام المالي العالمي القائم.
لذلك، فإن التوصيف الأدق للحظة الدولية الراهنة هو أننا أمام تعددية قطبية غير مستقرة تتنازعها قوتان رئيسيتان: الولايات المتحدة بما تملكه من تفوق مالي وعسكري وتحالفي، والصين بما تتقدم به من ثقل اقتصادي وقدرة متنامية على التأثير التكنولوجي والتجاري. وما بينهما تتحرك قوى أخرى مثل الاتحاد الأوروبي والهند وروسيا، لكن دون أن تصل بعد إلى مستوى يكفل إعادة بناء النظام الدولي على أسس أكثر توازناً.
ومن هنا تبرز أهمية قمة بكين: فهي لم تحسم الصراع، لكنها أوضحت أن العالم قد دخل مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز ليس القطيعة، بل التنافس المنضبط على حافة الاحتمال.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم