م صلاح طه عبيدات يكتب: وُرُودٌ مُتأخِّرة .. حينَ يتحوّلُ العزاءُ إلى مسرحٍ اجتماعي

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 20194
م صلاح طه عبيدات يكتب: وُرُودٌ مُتأخِّرة ..  حينَ يتحوّلُ العزاءُ إلى مسرحٍ اجتماعي
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

في كلِّ جنازةٍ تقريبًا... يتكرّر المشهدُ ذاته، كأنّه طقسٌ اجتماعيٌّ محفوظ، لا علاقةَ له أحيانًا بالموتِ ولا بالحزنِ الحقيقي.
وجوهٌ متجهمة، أصواتٌ متكسّرة، سباقٌ محمومٌ لحملِ النعش، وتزاحمٌ على الصفوفِ الأولى، كأنّ البعضَ جاء ليُرى لا ليُواسي.
لكنّ السؤالَ الأكثرَ وجعًا ليس: من مات؟
بل: أين كنتم قبل الموت؟
أيُّ نفاقٍ هذا الذي يجعلُ الإنسانَ يُكتشف فجأة بعد رحيله؟
كيف يتحوّلُ رجلٌ كان منسيًّا، مهمَّشًا، وحيدًا في مرضه أو شيخوخته، إلى “فقيدٍ عظيم” لحظةَ إعلان وفاته؟
ولماذا تتدفّقُ كلماتُ الوفاءِ بعد أن يصبحُ صاحبها عاجزًا عن سماعها؟
الحقيقةُ المُرّة أنّ بعضَ بيوتِ العزاء لم تعد مجالسَ مواساة... بل ساحاتِ استعراضٍ اجتماعي وسياسي وانتخابي أيضًا.
يدخلُ البعضُ بيتَ العزاء لا لأنّ الحزنَ حرّكه، بل لأنّ عينهَ على صندوقِ اقتراعٍ قادم، أو مقعدٍ بلديٍّ، أو مشروعِ نيابةٍ يُطبخُ على نارِ العلاقات الاجتماعية.
يصافحُ الجميعَ بابتسامةٍ محسوبة، يُلقي كلماتٍ محفوظة، يُكثرُ من الظهور، ويغادرُ وقد سجّلَ “حضورًا انتخابيًا” أكثر من مشاركتهِ في الألم.
حتى الموت... لم يسلم من الاستثمار.
وفي زحمةِ العزاء، تطفو أحيانًا على السطح طبقاتٌ دفينةٌ من الأحقادِ الاجتماعية والعائلية.
فتجدُ أهلَ العزاء أنفسهم ينقسمون بصمتٍ ثقيل:
قسمٌ ناقدٌ حاقد، لا يرى في المصيبة إلا فرصةً لتصفية الحسابات القديمة، أو مراقبة التفاصيل، أو بثّ السمومِ همسًا بين الجالسين.
وقسمٌ اجتماعيٌّ نبيل، يحملُ أخلاقَ المواساة الحقيقية، يأتي بقلبه قبل قدميه، ويتركُ أثرًا من الرحمةِ والسترِ والكلمةِ الطيبة.
وقسمٌ ثالثٌ يميلُ مع الريح، يصفّقُ لهذا، ويهزُّ رأسه لذاك، ويتلوّنُ بحسبِ ميزانِ المصالح والعلاقات.
وفي كثيرٍ من الأحيان، يصبحُ بيتُ العزاء مرآةً حقيقيةً للمجتمع.
هناك ترى المعادنَ على حقيقتها:
من جاء وفي قلبهِ محبة،
ومن جاء خوفًا من كلام الناس،
ومن جاء لالتقاط صورةٍ اجتماعيةٍ جديدة،
ومن حضرَ فقط ليُقال: “لقد حضر”.
لقد تحوّلَ الحزنُ عند البعض إلى أداءٍ اجتماعي.
تنهالُ منشوراتُ النعي البلاستيكية على مواقع التواصل، وتُكرَّر العباراتُ ذاتها:
“كان نعم الرجل”…
“لن ننساك”…
“رحل الطيب”…
لكنّ الحقيقةَ القاسية أنّ كثيرين نسوه قبل أن يموت أصلًا.
الأشدُّ قسوةً من الموت... ذلك العقوقُ الاجتماعي الذي يسبقه.
أن يعيشَ الإنسانُ وحيدًا بين الناس، مُثقَلًا بالتجاهل، ثم يتحوّلُ فجأةً إلى محورِ الاحتفاءِ بعد رحيله.
أن يشيخَ الأبُ وهو يراقبُ أبناءه مشغولين عنه، أو تنتظرَ الأمُّ اتصالًا لا يأتي، أو يختنقَ الصديقُ بصمتهِ بينما الجميعُ مشغولون بالمظاهر.
نعرفُ قيمةَ الناس بعد أن يصبحوا صورًا معلّقةً على الجدران.
نبالغُ في رثائهم لأنّنا فشلنا في احتضانهم وهم أحياء.
نزرعُ الورودَ على القبور، بينما كنّا نبخلُ عليهم بوردةِ اهتمامٍ واحدة في الحياة.
المشكلةُ ليست في الدموع... بل في توقيتها.
وليست في الحزن... بل في صدقه.
فالحبُّ الحقيقي لا يُقاسُ بعددِ المشيّعين، بل بعددِ الذين كانوا سندًا للإنسانِ وهو يصارعُ الحياةَ والوحدةَ والألم.
في النهاية...
ليسَ كلُّ من حضرَ العزاءَ مُواسيًا،
ولا كلُّ من بكى مُحبًّا،
فبعضُ الدموعِ تسقطُ خوفًا من المجتمع،
وبعضُ المصافحاتِ تُوزَّعُ تمهيدًا لانتخاباتٍ قادمة،
أما الوفاءُ الحقيقي...
فنادراً ما يحتاجُ إلى ميكروفونٍ أو صورةٍ أو مقعدٍ في الصفِّ الأول.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم