د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: العقل العربي والتطرف الصحي !

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 17242
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: العقل العربي والتطرف الصحي !
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

في العالم العربي، لا نمتلك أزمة غذاء فقط، بل نمتلك أزمة في طريقة التفكير بالصحة نفسها.
فكلما ظهر اتجاه جديد أو مدرسة جديدة أو نظام غذائي جديد، انقسم الناس بين من يقدّسه وكأنه الخلاص النهائي للبشرية، وبين من يهاجمه وكأنه مؤامرة كاملة الأركان. وبين الطرفين تضيع الحقيقة.

وحين طُرح ما يسمى بـ “نظام الطيبات”، بدا للكثيرين وكأنه اكتشاف جديد يعيد تعريف الصحة من زاوية إيجابية لا مرضية.
لكن الحقيقة العلمية تقول إن هذا المفهوم ليس جديدًا أصلًا، فتعريف World Health Organization للصحة منذ عام 1946 تحدث بوضوح عن أن الصحة ليست مجرد غياب المرض، بل حالة من السلامة الجسدية والنفسية والاجتماعية.
أي أن العالم العلمي سبق هذه الطروحات بعقود طويلة.

المشكلة ليست في الدعوة إلى الغذاء الطبيعي، فهذه دعوة تحمل كثيرًا من الوجاهة، بل في تحويل الغذاء إلى تفسير شامل للحياة والمرض والشفاء والنجاة البشرية كلها.

لقد عاش الناس قبل مئة عام في منطقتنا العربية بين الجوع والمرض والأوبئة.
وكان الطفل قد يموت من التهاب بسيط، والمرأة من عدوى بعد الولادة، والرجل من جرح صغير أو حمى موسمية.
ولم تكن “الطبيعة” دائمًا رحيمة كما يصورها البعض اليوم.
بل إن تطور الطب، والمطاعيم، والمضادات الحيوية، وتحسن الصحة العامة، كانت من أعظم التحولات التي أنقذت البشرية من انهيارات صحية واسعة.

ولهذا فإن اختزال كل شيء في الغذاء وحده يمثل قراءة ناقصة للحياة والإنسان.

ثم إن الإنسان ليس قالبًا غذائيًا واحدًا.
فالطفل له احتياجاته، والمراهق له متطلباته، والمرأة الحامل لها ظروفها، وكبير السن له حساباته الصحية المختلفة.
وهنا تظهر خطورة أي خطاب غذائي يتحدث بلغة عامة تصلح للجميع دون اعتبار للفروق العمرية والمرضية والنفسية والاجتماعية.

والحقيقة الأهم أن العلم نفسه لا يدّعي الكمال.
فما نجهله اليوم قد نكتشفه غدًا، وما نعتقد أنه نافع قد يتبين لاحقًا أن له آثارًا جانبية، والعكس صحيح.
العلم الحقيقي لا يعيش على اليقين المطلق، بل على المراجعة والتطوير والتراكم.

وربما كانت إحدى الإشكاليات الكبرى في هذا الملف أن بعض الشخصيات المؤثرة تحولت إلى “استثناءات فردية” أكثر من تحولها إلى مشاريع علمية مؤسسية متكاملة.
فالإنسان مهما امتلك من المعرفة والكاريزما يبقى بحاجة إلى بيئة علمية متعددة التخصصات تجمع بين:

الطب.

التغذية.

الصحة النفسية.

الصحة العامة.

علم السلوك.

وطب نمط الحياة.


لأن الإنسان لا يُختزل في طبق طعام.

لقد أهملت كثير من الطروحات الغذائية الجانب النفسي إهمالًا واضحًا، وكأن القلق المزمن، والاحتراق النفسي، والعزلة، واضطرابات النوم، والصدمات، لا تؤثر على الجسد.
بينما تؤكد الدراسات الحديثة يومًا بعد يوم أن النفس والجسد يدخلان في حوار يومي عميق؛ يؤثر على المناعة والالتهاب والهرمونات والطاقة وجودة الحياة.

كما أن بعض الخطابات وقعت في خطأ معاكس، حين تعاملت مع الدواء وكأنه شر مطلق.
بينما الحقيقة أن هناك أمراضًا لا ينقذها إلا الدواء، ولا توقفها إلا الجراحة، ولا يحتويها إلا التدخل الطبي المباشر.
والطب الحقيقي لا يقوم على الحرب بين الغذاء والدواء، بل على التكامل بينهما.

أما الجانب الاقتصادي، فهو من أكثر الجوانب التي يتم تجاهلها عمدًا أو جهلًا.
فالصناعات الغذائية العالمية ليست جمعيات خيرية، كما أن كثيرًا من أنماط الإنتاج الحديثة قامت على منطق الربح والتكلفة والتوسع التجاري.
لكن هذا لا يعني أيضًا أن كل منتج حديث هو سمّ مؤكد، ولا أن العودة الكاملة إلى الماضي ممكنة أو حتى واقعية.

بلاد العرب أصلًا تملك إمكانيات هائلة في الغذاء الطبيعي والزراعة والثروة الحيوانية والمنتجات العضوية، لكنها تحتاج إلى:

اقتصاد أخلاقي.

وتشريعات صحية.

وتثقيف مجتمعي.

واستثمار حقيقي في الإنسان.


لا إلى صراعات أيديولوجية حول الطعام.

وللأسف، فإن الإعلام العربي تعامل مع هذا الملف بسطحية واضحة؛
فإما أن يصنع “بطلاً خارقًا”، أو “شيطانًا كاملاً”، دون إدارة نقاش علمي رصين يشارك فيه المختصون من مختلف المجالات.

وفي المحصلة، فإن الإنسان يحتاج إلى التوازن أكثر من حاجته إلى التطرف الصحي.
يحتاج إلى غذاء أفضل، نعم.
وحركة أكثر، نعم.
ونوم منتظم، وعلاقات إنسانية صحية، وتقليل الإفراط الصناعي، والعودة إلى شيء من البساطة الطبيعية.
لكن مع احترام الطب الحديث والعلم والدواء والبحث العلمي، لا مع إعلان الحرب عليهم.

فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده…
ولا يعيش بالدواء وحده أيضًا.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم