الخوالدة يكتب: المغرب والأردن… علاقات تتجاوز السياسة إلى الإنسان

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 7819
 الخوالدة يكتب: المغرب والأردن… علاقات تتجاوز السياسة إلى الإنسان
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

المغرب دولة عربية ذات عمق حضاري وثقافي واستراتيجي، تمتد بين البحر الأبيض المتوسط شمالًا والمحيط الأطلسي غربًا، في موقع جغرافي جعل منها بوابة بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي. ومن يقف على سواحل طنجة يدرك كيف تعانق المملكة المغربية الضفة الإسبانية بروح تجمع بين الأصالة والانفتاح.

بدأت حكايتي مع المغرب حين تم ترشيحنا من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الأردنية ضمن برامج التعاون الأكاديمي والتبادل الثقافي بين المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة المغربية، في إطار العلاقات الأخوية التي تحظى برعاية جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين وأخيه جلالة الملك محمد السادس حفظهما الله.

وقد شكّلت هذه البعثات العلمية نموذجًا راقيًا للتعاون العربي، لأن التبادل الأكاديمي والثقافي يمثل استثمارًا طويل الأمد في الإنسان والخبرات والمعرفة والتنمية. فحين تنتقل الكفاءات والطلبة بين الدول، تنتقل معها التجارب والثقافات والرؤى، ويعود ذلك بالنفع على المجتمعين والدولتين معًا.

ولعل ما يميز العلاقات الأردنية المغربية أنها علاقات هادئة وعميقة تقوم على التفاهم السياسي والاعتدال والانفتاح والتعاون التنموي، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي والصخب السياسي. وقد تُرجمت هذه العلاقة عبر اتفاقيات وبرامج تنفيذية رسمية شملت التعاون الاقتصادي والاستثماري والثقافي والسياحي والتنموي، إلى جانب التعاون المؤسسي وتبادل الخبرات في عدد من القطاعات الحيوية، الأمر الذي يعكس وجود رؤية مشتركة بين البلدين تقوم على الاستقرار وبناء الإنسان والانفتاح المتوازن.

كما استطاع المغرب خلال العقود الأخيرة أن يطوّر منظومة مهنية وتقنية متقدمة نسبيًا، من خلال المعاهد والمراكز التكوينية التي تُعد رافدًا مهمًا لسوق العمل المغربي، وتسهم في تخريج كفاءات مهنية وتقنية في مجالات متعددة مثل الصناعات الهندسية، وتقنيات السكك الحديدية، والطاقة، وبعض المجالات الصناعية والخدماتية. وقد أصبحت بعض هذه الكفاءات تحظى باهتمام وفرص عمل وتعاون مع دول صديقة وشريكة، خاصة في بعض الأسواق الأوروبية التي ترتبط مع المغرب بعلاقات اقتصادية وتقنية متقدمة.

كما يشهد المغرب خلال السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بقضايا الإعاقة والفئات الخاصة، سواء على مستوى التوعية المجتمعية أو تطوير الخدمات الداعمة والتأهيلية. وقد بدأت تظهر بصورة أوضح مؤسسات ومراكز تُعنى بتقديم خدمات الرعاية والتأهيل والإيواء والمبيت لبعض الحالات التي تحتاج إلى متابعة مستمرة، إلى جانب تنامي الاهتمام بالتدخلات المتخصصة والخدمات المساندة التي يشرف عليها مختصون في المجالات النفسية والتربوية والصحية والاجتماعية، وهو ما يعكس تطورًا تدريجيًا في الوعي المجتمعي والمهني تجاه هذه الفئات واحتياجاتها.

أما على المستوى الشخصي، فقد كانت تجربتي خلال دراسة الدكتوراه في جامعة الحسن الثاني تجربة علمية وثقافية واجتماعية ثرية، تجاوزت حدود القاعات الدراسية إلى فهم مجتمع عربي يمتلك خصوصية حضارية وإنسانية مميزة.

ومن أبرز ما يلفت الانتباه في المغرب الاهتمام الكبير بقطاع السياحة والبنية التحتية المرتبطة بها، سواء للسياحة الداخلية أو الخارجية. فالمغرب يمتلك شبكة نقل حديثة ومنظمة، وعلى رأسها شبكة القطارات التي تربط المدن الكبرى بكفاءة عالية. ومنذ وصولك إلى مطار محمد الخامس الدولي تستطيع الانتقال بسهولة إلى مختلف المدن المغربية عبر شبكة القطارات الحديثة وربطها بقطار البراق فائق السرعة.

ويتميز قطار البراق بسرعته العالية التي تصل في بعض المقاطع إلى أكثر من 300 كم في الساعة، ويربط بين الدار البيضاء وطنجة في رحلة تختصر المسافات وتُجسد صورة المغرب الحديث الذي يجمع بين الأصالة والتكنولوجيا.

أما طنجة، فهي مدينة تمتلك ملامح أوروبية بطبيعتها وغاباتها وإطلالتها البحرية، لكنها تحتفظ بروح عربية مغربية أصيلة من خلال طيبة أهلها ودفء مجتمعها. كما تتنوع الخيارات السياحية فيها بما يناسب شرائح اجتماعية متعددة، مع وجود وسائل نقل حديثة وأسعار معقولة وخدمات متنوعة.

ومن المدن المغربية الجميلة أيضًا إفران، والتي تُعرف بطابعها الأوروبي وطبيعتها الخضراء ونظامها العمراني الهادئ، حتى إن البعض يطلق عليها “سويسرا المغرب”، خاصة مع أجوائها الباردة وغاباتها الواسعة ونظافة شوارعها وتنظيمها العمراني.

ومن المدن المغربية ذات الطابع الخاص أيضًا شفشاون، التي تمتاز بطبيعتها الجبلية الهادئة ومبانيها ذات اللون الأزرق الشهير، حيث تتوزع المدينة القديمة على سفوح الجبال في مشهد يجمع بين البساطة والجمال الطبيعي. وتمنح طبيعة شفشاون الجبلية الزائر إحساسًا قريبًا من بعض البيئات الريفية والجبلية في الأردن، خاصة مع انتشار المراعي وتربية الأغنام في المناطق المحيطة، وهو ما يضفي على المكان طابعًا ريفيًا دافئًا ممزوجًا بالهوية الجبلية المغربية الأصيلة.

أما الرباط، عاصمة المغرب السياسية والإدارية، فتجمع بين الحداثة والهدوء والرقي العمراني، وتضم مؤسسات الدولة الرئيسية والمراكز الثقافية والدبلوماسية، إلى جانب معالم ترفيهية وسياحية متعددة، من أبرزها حديقة الحيوانات الوطنية بالرباط التي تُعد من أشهر الحدائق في المنطقة، إضافة إلى عدد من المساجد والمعالم الدينية المعروفة، ومن أبرزها جامع السنة الذي يُعد من المساجد البارزة في العاصمة المغربية.

في المقابل تُعد الدار البيضاء العاصمة الاقتصادية والصناعية للمغرب، بما تضمه من شركات كبرى وموانئ وحركة تجارية وصناعية نشطة، إضافة إلى بنيتها التحتية الحديثة ومكانتها الاقتصادية على مستوى المنطقة.

أما فاس، فتُعرف بالعاصمة العلمية والتاريخية للمغرب، لما تحمله من إرث حضاري وديني وثقافي عريق، إلى جانب احتضانها مؤسسات أكاديمية ذات سمعة طيبة، مثل جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فضلًا عن المكانة التاريخية لـ جامعة القرويين باعتبارها من أبرز الرموز العلمية والحضارية في العالم الإسلامي. كما تضم مدينة فاس عددًا من المساجد ذات الحضور الديني والعلمي المعروف، ومن بينها جامع الإمام مالك الذي يُعد من المساجد المعروفة في المدينة.

وتبقى مراكش واحدة من أبرز الوجهات السياحية في العالم العربي، بما تضمه من أسواق تاريخية وفنادق وحدائق ومعالم تراثية، ومن أشهر معالمها حديقة ماجوريل التي تمتاز بطابعها الفني والطبيعي الفريد، وتشكل واحدة من أبرز الوجهات التي يقصدها السياح من مختلف أنحاء العالم.

ومن المظاهر التراثية التي تعكس عمق الهوية المغربية أيضًا عروض الفروسية التقليدية المعروفة باسم “التبوريدة”، والتي حضرتها في أكثر من مناسبة، وهي من الفنون التراثية الأصيلة في المغرب، وتعتمد على استعراض جماعي للفرسان باستخدام الخيول العربية الأصيلة، ضمن لوحات حركية منظمة تُرافقها طلقات البارود التقليدية التي تُطلق بطريقة متزامنة ودقيقة تعكس مهارة الفرسان وانسجامهم. وتحمل التبوريدة أبعادًا تاريخية وثقافية مرتبطة بالفروسية العربية وفنون القتال القديمة، وتُقام لها مهرجانات ومنافسات يتم خلالها تقييم أداء الفرق المشاركة واختيار المجموعات الأكثر دقة وتناغمًا في الأداء.

ويتميز المغرب بتنوع طبيعي كبير؛ ففيه الجبل والسهل والبحر والمحيط والغابات، ولكل منطقة خصوصيتها السياحية والثقافية والاقتصادية، الأمر الذي جعل المملكة وجهة جاذبة للسياحة العربية والأوروبية على حد سواء.

كما تحتفظ المدن المغربية القديمة بقيمة تراثية وحضارية كبيرة، إذ تنتشر المدن العتيقة المحاطة بالأسوار التاريخية، وبعضها مُدرج ضمن قائمة التراث العالمي في اليونسكو. والمشي في أزقة هذه المدن يعيد الإنسان إلى تفاصيل الحياة التقليدية، حيث الحرف اليدوية والصناعات التراثية والأسواق الشعبية التي ما زالت تحافظ على روحها الأصيلة.

ويُعرف المغرب أيضًا بتميز صناعاته التقليدية، خاصة الصناعات الجلدية والنحاسية والخزفية، إضافة إلى جودة المنتجات الغذائية والزراعية، مثل زيت الزيتون المغربي وزيت الأركان الذي أصبح منتجًا عالميًا يُستخدم في المجالات الغذائية والعلاجية والتجميلية.

أما المطبخ المغربي، فهو جزء من الهوية الثقافية للمغرب، حيث تتنوع الأطباق التقليدية مثل الطاجين والحريرة والرفيسة، إلى جانب جودة الخبز المصنوع من القمح والشعير، والحلويات ذات التأثير المغربي والأندلسي والفرنسي. كما تشكل المقاهي المغربية جزءًا أساسيًا من الحياة الاجتماعية، وخاصة تلك التي تقدم “الأتاي” المغربي الذي يُحضّر بطقوس خاصة تعكس الذائقة المغربية الأصيلة.

وعلى الصعيد الصناعي، يشهد المغرب تطورًا ملحوظًا في مجالات الصناعات المتوسطة، خاصة صناعة السيارات وبعض التقنيات المرتبطة بالطاقة والسيارات الكهربائية، وهو ما يعكس توجّهًا اقتصاديًا يسعى إلى تعزيز الإنتاج والانفتاح على الأسواق العالمية.

أما في المجال الأكاديمي، فيضم المغرب مؤسسات أكاديمية ذات بعد تاريخي وحضاري، إلى جانب جامعات حديثة وفاعلة بحثيًا ومعاهد ومراكز تكوينية تلعب دورًا مهمًا في إعداد الكفاءات المهنية والتقنية المرتبطة مباشرة بسوق العمل المغربي وبعض الأسواق الأوروبية.

ورغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي لا يخلو منها أي مجتمع نامٍ، إلا أن المغرب استطاع خلال العقود الأخيرة أن يراكم خبرة واضحة في البنية التحتية والسياحة والتكوين المهني والانفتاح الاقتصادي.

ولا يمكن الحديث عن المغرب دون الإشارة إلى ثروته البحرية والسمكية الكبيرة، والتي تُعد من أهم الموارد الاقتصادية والغذائية في البلاد، حيث يمتلك المغرب واحدًا من أغنى السواحل السمكية على مستوى المنطقة.

ختامًا، فإن المغرب يقدم نموذجًا عربيًا جديرًا بالاهتمام، لأنه استطاع أن يحافظ على هويته الثقافية والتاريخية، وفي الوقت نفسه ينفتح على الحداثة والبنية التحتية والاستثمار والسياحة والتعليم.

وتجربتي الشخصية هناك جعلتني أؤمن أن العلاقات العربية ينبغي أن تتحول إلى شراكات ثقافية وتنموية واقتصادية حقيقية تعيد بناء الجسور بين الشعوب العربية، لأن الإنسان العربي حين يعرف أخاه العربي عن قرب، تبدأ مساحات جديدة من الاحترام والتكامل والتعاون.

المغرب تجربة حضارية وإنسانية متكاملة، ونموذج عربي استطاع أن يجمع بين التاريخ والانفتاح والتنمية.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم