مقدادي يكتب: الأرض والسيادة: المقاربة الأردنية للزراعة كمنصة للريادة الإقليمية والاستقلال الاستراتيجي

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 6482
 مقدادي يكتب: الأرض والسيادة: المقاربة الأردنية للزراعة كمنصة للريادة الإقليمية والاستقلال الاستراتيجي
المهندس ثائر عايش مقدادي

المهندس ثائر عايش مقدادي

في ظل إعادة تشكل النظام الدولي وبروز "أمن الغذاء" كأولوية تتقدم حتى على التفوق العسكري في بعض الأحيان، يبرز التوجه الأردني نحو الأرض كإستراتيجية عليا تتجاوز الحدود الجغرافية للمملكة. إن العودة إلى الأرض في الأردن، ومن منظور سياسي بحت، ليست مجرد محاولة لسد فجوة غذائية محلية، بل هي عملية إعادة تموضع جيوسياسي تهدف إلى تحويل التحديات الوطنية إلى أوراق قوة إقليمية، وذلك تنفيذاً للرؤية الملكية السامية التي استشرفت مبكراً ملامح "عالم ما بعد الأزمات.

لقد طرح جلالة الملك عبدالله الثاني مفهوماً ثورياً في الدبلوماسية العربية والدولية، وهو مفهوم المركز الإقليمي للأمن الغذائي .هذا الطرح لا ينبع من فراغ، بل يستند إلى عبقرية المكان الأردني وقدرة الدولة على الربط بين قارات ثلاث. سياسياً، تعني هذه الرؤية أن الأردن يسعى ليكون "العقل المدبر" والقلب اللوجستي لمنظومة غذائية إقليمية؛ فمن خلال تطوير البنية التحتية للتخزين، وتبني الزراعة الذكية مناخياً، والابتكار في تقنيات حصاد المياه، يتحول الأردن من بلد يتأثر بالأمن الغذائي لجيرانه إلى فاعل أساسي في ضمان استقرارهم. هذا الدور يمنح الدبلوماسية الأردنية "قوة ناعمة" هائلة، حيث يصبح استقرار الأردن وازدهار قطاعه الزراعي مصلحة حيوية للمنطقة بأسرها.

وعند النظر إلى البعد الإقليمي، نجد أن الأردن يطرح نموذجاً للتعاون المتعدد الأطراف يكسر القواعد التقليدية. فمن خلال مبادرات التكامل والشراكات الصناعية المتكاملة، يتم توظيف القطاع الزراعي كأداة للوحدة السياسية. إن "السيادة الغذائية" في هذا السياق تصبح سيادة جماعية؛ حيث يساهم الأردن بخبراته التقنية وموقعه اللوجستي لربط فوائض الإنتاج بمراكز الاستهلاك، مما يخلق شبكة من المصالح المتبادلة التي تعمل ككابح للصراعات ومحفز للاستقرار السياسي في مشرق عربي مضطرب.

داخلياً، تلتقي هذه الرؤية الإقليمية مع استحقاقات "رؤية التحديث الاقتصادي"، التي ترى في الزراعة قطاعاً سيادياً بامتياز. سياسياً، هذا يعني تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة الدولة؛ من "الدولة الرعوية" التي توفر الدعم، إلى "الدولة التنموية" التي تمكن المزارع والتقني والمهندس من قيادة دفة الإنتاج. إن استصلاح الأراضي في مناطق مثل "حوض الديسي" أو "وادي الأردن" وتطويرها وفق أعلى المعايير التقنية، هو في جوهره عملية "بناء قوة".

فالدولة التي تزرع محاصيلها الاستراتيجية، هي دولة تمتلك حصانة ضد الابتزاز السياسي الذي مارسته القوى الكبرى تاريخياً عبر ملفات المعونات الغذائية والقروض المشروطة.
علاوة على ذلك، يمثل ملف المياه في الأردن "بيضة القبان" في الصراع السياسي الإقليمي. إن التوجه نحو الزراعة المستدامة التي تراعي شح المياه هو رد سياسي حازم على محاولات تهميش الحقوق المائية الأردنية. فبقدر ما ينجح الأردن في تحقيق "الكفاءة المائية القصوى" في زراعته، بقدر ما يعزز موقفه التفاوضي دولياً، مؤكداً للعالم أنه يدير أندر موارده بمسؤولية واقتدار، مما يسقط أي ذريعة سياسية تهدف للضغط عليه في هذا الملف الوجودي.

إن العودة إلى الأرض في الأردن هي "المشروع الوطني الأكبر" الذي يدمج بين طموح جلالة الملك في الريادة الإقليمية وبين حاجة الدولة لتحصين جبهتها الداخلية. إننا أمام رؤية سياسية شاملة ترى في حبة القمح الأردنية وفي التكنولوجيا الزراعية المولدة محلياً، أدوات للتحرر الوطني والاستقلال الاستراتيجي. إن الأردن اليوم لا يحرث الأرض فحسب، بل يحرث مساراً جديداً في السياسة الدولية، عنوانه أن المنعة تبدأ من التربة، وأن السيادة الحقيقية هي تلك التي تُبنى بسواعد الإنتاج وعقول الابتكار، لتظل المملكة واحة أمن واستقرار، ومحركاً أساسياً في صياغة مستقبل الأمن الغذائي لمنطقة الشرق الأوسط والعالم.

حفظ الله الأردن عزيزاً شامخاً، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ذخراً وسنداً للوطن والأمة، وأدام عليه موفور الصحة والعافية ليقود مسيرة البناء والنماء نحو مستقبل مشرق يليق بالأردنيين.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم