م. صلاح طه عبيدات يكتب: قرى العبيدات… شراكة في الأرض والتاريخ وسردية الكفّارات

منذ 2 ساعة
6609
م. صلاح طه عبيدات يكتب: قرى العبيدات… شراكة في الأرض والتاريخ وسردية الكفّارات
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

في أقصى الشمال الأردني، حيث تتكئ الأرض على تخوم الذاكرة وتتماس مع الجغرافيا الحساسة لبلاد الشام، تتوزع قرى العبيدات في لواء بني كنانة كعقدٍ متماسك، لا تفصله الحدود بقدر ما تجمعه الحكاية. وهنا، لا تُقرأ القرى بوصفها نقاطًا على خريطة، بل بوصفها امتدادًا لسردية تاريخية وسياسية عُرفت باسم الكفّارات؛ تلك المنطقة التي لم تكن يومًا هامشًا، بل كانت على الدوام في قلب الحدث، وعلى تماس مباشر مع التحولات الكبرى في الإقليم.


وإذا غلب على هذا المشهد توصيف “قرى العبيدات”، فإنما هو توصيف استقرّ بحكم الامتداد والكثرة، لا بقصد الحصر أو الإقصاء، إذ تبقى الكفّارات فضاءً أوسع، تشكّلت ملامحه عبر شراكة حقيقية لعشائر أردنية أصيلة، أسهمت جميعها في صناعة المكان والإنسان، وفي نسج هويةٍ جمعيةٍ تتسع للجميع.


الكفّارات، بما تحمله من دلالات تاريخية، كانت فضاءً مفتوحًا على التداخلات السياسية منذ العهد العثماني، مرورًا بفترات الانتداب، وصولًا إلى تشكل الدولة الحديثة. موقعها الحدودي جعلها شاهدة على تحولات الجغرافيا السياسية، وممرًا للأفكار والبشر، وميدانًا لتجليات الصمود الشعبي. ومن هنا، فإن قرى العبيدات لم تكن مجرد تجمعات سكانية، بل كانت وحدات حية ضمن مشهد أوسع، تشارك – مع غيرها من مكونات المنطقة – في صياغة الهوية المحلية والوطنية معًا.


تمتد حرثا في الشمال كخط تماس أول، ليست فقط مع الطبيعة، بل مع التاريخ السياسي للمنطقة، حيث كانت دائمًا في مواجهة التحولات القادمة من خلف الحدود، تحمل إرث الحراسة والانتباه، وتستند في ذلك إلى عمقٍ اجتماعي تشاركي. إلى الغرب، تقف كفرسوم بثقلها الزراعي والاجتماعي، كأنها ذاكرة الكفّارات الخصبة، التي قاومت التغيرات بالحفاظ على جذورها في الأرض، وبمساهمة جميع أبنائها في صون هذا الامتداد.


أما حبراص، فهي أكثر من مجرد قرية قريبة من الحدود؛ إنها نقطة تفاعل مباشر مع الجغرافيا السياسية، حيث تتقاطع فيها خرائط النفوذ مع ثبات الإنسان، فتتحول إلى شاهد حي على صراع الثبات والتغير، ضمن نسيجٍ اجتماعي متداخل يعكس حقيقة الكفّارات. وفي الجنوب، تنبسط برشتا بهدوئها، لكنها تحمل في طياتها عمقًا اجتماعيًا يعكس تماسك البنية الداخلية للمجتمع، وتكامل أدوار مكوناته.


وفي موقعٍ متوسط شمالي، تقف الرفيد، كحلقة وصل تجمع بين أطراف المشهد، وتؤكد أن الجغرافيا هنا ليست مجرد مسافات، بل شبكة علاقات إنسانية واجتماعية متشابكة. لكن، وسط هذه اللوحة المتكاملة، تبرز يبلا بوصفها مركز الثقل… جغرافيًا وتاريخيًا وسياسيًا.
يبلا تتوسط الكفّارات أخواتها… وهذا التوسط لم يكن يومًا مجرد صدفة مكانية، بل كان انعكاسًا لدورٍ أعمق. فهي في قلب الجغرافيا، حيث تتلاقى الطرق، لكنها أيضًا في قلب السردية السياسية والاجتماعية؛ نقطة التوازن التي تلجأ إليها الأطراف حين تشتد التباينات، ومساحة الالتقاء حين تتعدد الرؤى، ضمن بيئةٍ تقوم على الشراكة لا الانفراد.


في سياق الكفّارات التاريخي، لعبت يبلا دور “الوسيط الطبيعي”، بحكم موقعها، فكانت معبرًا للأفكار، وميدانًا للحوار، ومرتكزًا للاستقرار النسبي في منطقة عرفت تقلبات كثيرة. هذا الدور لم يُفرض عليها، بل نشأ من طبيعتها المفتوحة، ومن وعي أهلها – ومعهم محيطهم الاجتماعي – بأهمية التوازن في بيئة حدودية حساسة.


لقد منحها هذا التوسط بعدًا رمزيًا يتجاوز الجغرافيا؛ فأصبحت تمثل “العقل الجمعي” لقرى العبيدات ضمن الكفّارات، حيث تُصاغ التفاهمات، وتُرمم العلاقات، وتُحفظ وحدة النسيج الاجتماعي بمختلف مكوناته. إنها ليست فقط مركزًا مكانيًا، بل مركز قرار اجتماعي غير معلن، يستند إلى الحكمة أكثر مما يستند إلى السلطة.


إن سردية الكفّارات، حين تُقرأ من خلال هذه القرى، تكشف عن نموذج فريد لمجتمع استطاع أن يحافظ على تماسكه رغم تعقيدات الجغرافيا السياسية. فهنا، لم تكن الحدود سببًا في الانقسام، بل دافعًا لتعزيز الوحدة، ولم تكن التحديات عامل تفكك، بل محفزًا لإعادة إنتاج التوازن، في إطار شراكةٍ حقيقية لا تلغي أحدًا ولا تختزل أحدًا.


وهكذا، فإن قرى العبيدات، في حرثا وكفرسوم وحبراص وبرشتا والرفيد ويبلا، لا تمثل فقط جغرافيا متجاورة، بل تمثل – مع سائر مكونات الكفّارات – تجربة إنسانية متكاملة، عنوانها الشراكة في الأرض، والوعي بالتاريخ، والقدرة على التكيف مع السياسة دون أن تفقد جوهرها.


وفي هذا المشهد، تبقى الرسالة الأوضح: أن التوسط ليس موقعًا فحسب، بل موقف… وأن من يقف في القلب، عليه أن يحمل عبء التوازن، ويصون وحدة الأطراف. وفي زمن تتسارع فيه الانقسامات، تقدم الكفّارات درسًا صامتًا لكنه عميق: أن الجغرافيا قد تفرض التحديات، لكن الإنسان – حين يختار الشراكة والاتساع – هو من يصنع المعنى.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم