معابرة يكتب: سلطان أهل الهوى .. عندما يكون الفراغ الدستوري فرصةً للاستثمار

منذ 1 شهر
16343
معابرة يكتب: سلطان أهل الهوى ..  عندما يكون الفراغ الدستوري فرصةً للاستثمار
‏الكاتب الساخر وليد معابرة

‏الكاتب الساخر وليد معابرة

أما قبل؛ ففي المجتمعات التي اعتادت أن تتنازل عن حقوقها بممارسة الصمت! فإِنَّ أصحاب القرار لا يحتاجون فيها إلى انقلاب عسكري متقنٍ لتحقيق صفقاتهم، فكلُّ ما يحتاجونه هو أن ينتظروا لحظة صمت دستوريَّة يغيب فيها النصُّ ويكثر فيها التأويل؛ ليجلسوا بدورهم يراقبون المشهد وكأنَّه مسرحيَّةٌ غاب مخرجها؛ فينالون فرصتهم الذهبيَّة في بناء القوانين وسنِّ السنن لتنصيب أنفسهم سلاطين على الجميع؛ كما فعل الفنَّان الشعبي "أحمد عدويَّة" في أغنيته الشهيرة "والله ولِعب الهوى"؛ فهي أُغنية كانت تُذاع في الخلفيَّات، بينما تجري عمليَّات السلب والنهب في مقدمة المسرح الذي اعتاد أفراده على ترديد المهاترات والبحث عن الحلول الزائفة.


لقد كنتُ أَطرب كثيراً وأنا أستمع إلى أُغنية "عدويَّة" حينما يصف نفسه بأنَّه لم يصبح "سلطان أهل الهوى" إلا ضمن فترة الفراغ الدستوري التي صنعها نبات الورد ونبات الفلِّ معاً! فقد كان يُشير بيديه يميناً ويساراً وهو يغنِّي قائلاً: (الورد راح كِدا، والفلِّ جِى كِدا، وبقيت بين دا و دا سلطان أهل الهوى))! في وقتها لم أكن أعلم بِأنَّ السياسة في الوطن العربي قد تتحوَّل إلى مقطع غنائي تتخلَّله فقرة صغيرة تفتح باباً واسعاً للسلطنة وممارسة اللصوصيَّة.

وأما بعد؛ فإِنَّني اكتشفت –بعد تحليل كافٍ لكلمات الأُغنية؛ بأنَّ الفراغ الدستوري ليس فراغاً بالمعنى الحرفي على قدر ما يمثل مساحة رماديَّة واسعة تمنح الفرصة لكلِّ من يريدون أن يمدُّوا أقلامهم ويمارسوا توقيعاتهم خِلْسَة على قرارات الاستدانة وتحديد مواعيد الغزوات الماليَّة التي شنَّت هجومها على أموال الضمان الاجتماعي من جانب، وعلى أموال المؤسسات الوطنيَّة الأخرى من جانب ثانٍ! فقد كنتُ وجميع المواطنين نظنُّ بِأَنَّ تلك الأموال هي مدَّخراتنا المؤجلة، وعَرَق أعمارِنا المدَّخر ليوم تعجز فيها الرُّكب عن الركض وراء لقمة العيش، لنأتي في يوم وليلة وعلى حين غرَّة لنتفاجأ بِأَنَّ هناك حركةً رشيقةً لا تخلو من البراعة والبيروقراطيَّة قد امتدَّت إلى صندوق الضمان! لا بوصفه مالاً خاصاً لملايين المشتركين، بل كأَنَّه محفظة طوارئ وطنيَّة موضوعة في الدرج الأخير من أَدراج مكتب الوزير؛ ليبقى المواطن بين "دا، و دا" يتساءل كيف تحوَّلت تلك المدَّخرات فجأة إلى أداة من أدوات إدارة الأزمات؛ وكأَنَّ كلَّ سنوات اقتطاعاتها من رواتب العاملين المساكين لم تكن ادِّخاراً لشيخوختهم، بل مساهمات مفتوحة في ميزانيَّة المفاجآت المجهَّزة مسبقاً لضيق الخيارات.


لقد أدركتُ بشكلٍ فعليٍّ أنَّ الفراغ الدستوري ليس مجرَّد مشكلة قانونيَّة، بل هو فرصة ذهبيَّة لمن يملك الجرأة الكافية لتنصيب نفسه سلطاناً وصاحب قرار لا يهتمُّ بالنصوص المكتوبة أو بالقوانين الموضوعة، لكونه يُدرك تماماً أنَّ السياسة في بلادنا تسير وفق مهارات من يستطيعون التحرك ضمن مساحات الاسترخاء التي يكون فيها الجميع مشغولاً بتفسير ما إذا كان الورد قد ذهب فعلاً، وما إذا كان الفُلُّ قد وصل حقاً؛ ليقوم بسنِّ القوانين المجحفة وإصدار القرارات التي تمر بهدوء، ثم تُخرج الأموال من صناديقها بهدوء أكبر.


خلاصة القول: لقد وضعت نفسي بين "دا" و "دا" أُراقب المشهد، وأُفكِّر بعمق؛ فاكتشفت أَنَّ أجمل ما في الفراغ الدستوري أنَّه يمنح بعض الناس فرصة للاستثمار الذي يحقق لهم محاولة ناجحة ليصبحوا سلاطين! ويتركُ للشعوب الصامتة شعوراً رديئاً يكتشفون من خلاله متأخرين أنَّ مدَّخراتهم كانت جزءاً مكتوباً في فقرات الأُغنية الشهيرة بـ "سلطان أهل الهوى".
الكاتب الساخر وليد معابرة
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم