20-03-2026 02:12 PM
سرايا - في واحدة من أكثر الأفكار العسكرية غرابة وإثارة خلال الحرب العالمية الثانية، كشفت وثائق تاريخية عن مشروع بريطاني طموح حمل اسم "هابكوك"، كان يهدف إلى بناء حاملة طائرات عملاقة من مادة غير تقليدية تتكون من الجليد ولبّ الخشب، في محاولة لمواجهة التفوق الألماني في المحيط الأطلسي.
وتُعدّ حاملات الطائرات، حتى اليوم، من أبرز أدوات القوة العسكرية الحديثة، حيث تمثل ركيزة أساسية في استراتيجية الانتشار العسكري، بفضل قدرتها على نقل الطائرات والقوات إلى أي نقطة حول العالم، فضلا عن صعوبة استهدافها أو إغراقها، إلا أن مشروع "هابكوك" خرج عن كل المألوف في تصميم هذه السفن.
فكرة ثورية وسط تهديد متصاعد
بحلول عام 1942، كانت الغواصات الألمانية المعروفة بـ(U-boats) قد فرضت سيطرة شبه كاملة على مناطق واسعة من المحيط الأطلسي، فيما عُرف حينها بـ"ممر الغواصات"، ما شكّل تهديدا خطيرا لإمدادات الحلفاء.
وفي خضم هذه الأزمة، طرح العالم البريطاني جيفري بايك فكرة غير مسبوقة، تقوم على إنشاء حاملة طائرات ضخمة تعتمد على مادة "بايكريت" (Pykrete)، وهي خليط من الماء المجمد ولبّ الخشب، يتميز بصلابة عالية ومقاومة للتشقق والذوبان.
وقد حظي المشروع بدعم مباشر من رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ونستون تشرشل، الذي وافق على المضي قدما في الخطة، نظرا لإمكاناتها العسكرية الكبيرة.
أضخم سفينة حربية في التاريخ
وفقا للتصميمات الأولية، كان من المقرر أن يبلغ طول الحاملة نحو 2000 قدم (أكثر من 600 متر)، وعرضها 200 قدم، وبوزن يصل إلى مليوني طن، ما يجعلها أكبر سفينة حربية على الإطلاق، متفوقة حتى على أحدث حاملات الطائرات الحديثة.
وكانت الحاملة ستتمكن من استيعاب وإطلاق ما يصل إلى 300 طائرة، فيما يعتمد تصميمها على جبل جليدي ضخم يُبقي نحو 90% من هيكلها مغمورا تحت سطح الماء، ما يمنحها استقرارا وقدرة دفاعية استثنائية.
ورغم هذا الحجم الهائل، كانت سرعتها المتوقعة محدودة، إذ لن تتجاوز 7 عقد بحرية (حوالي 8 أميال في الساعة).
سلاح غير قابل للتدمير
استندت الفكرة الأساسية للمشروع إلى أن الكتلة الضخمة للحاملة ستجعلها قادرة على امتصاص ضربات الطوربيدات الألمانية دون أن تتعرض لأضرار قاتلة، وكان من المفترض أن تتمكن من تحمّل هجمات متكررة، ثم تعقب الغواصات المهاجمة وتدميرها، ما قد يؤدي إلى إنهاء تهديد "ممر الغواصات" بالكامل.
اختبار ناجح.. ونهاية سريعة
وقبل الشروع في تنفيذ المشروع بالحجم الكامل، أمرت السلطات البريطانية ببناء نموذج تجريبي، بلغ طوله 60 قدما وعرضه 30 قدما، بهدف اختبار إمكانية الحفاظ على تجمّد المادة باستخدام أنظمة تبريد.
وقد تولّى فريق كندي عملية البناء دون معرفة الهدف النهائي للمشروع، وتمكنوا من إنجاز النموذج بنجاح، حيث أثبتت التجربة فعالية المادة وإمكانية تطبيق الفكرة من الناحية التقنية.
وبناءً على ذلك، تقرر إسناد تنفيذ الحاملة الكاملة إلى كندا، مستفيدة من بيئتها الباردة، مع خطة لإدخالها الخدمة في المحيط الأطلسي خلال فترة قصيرة.
التكلفة تُجهض المشروع
رغم النجاح الأولي، سرعان ما واجه المشروع عقبة كبرى تمثلت في التكلفة الباهظة والتحديات اللوجستية، حيث تبيّن أن بناء حاملة بهذا الحجم يتطلب موارد ضخمة يمكن توجيهها بشكل أكثر فعالية نحو تصنيع حاملات تقليدية.
وبناءً على هذه المعطيات، تم إلغاء مشروع "هابكوك" قبل دخوله مرحلة التنفيذ، ليبقى واحدا من أكثر المشاريع العسكرية طموحا وغرابة في التاريخ.
إرث تاريخي قائم
وبعد إلغاء المشروع، تُرك النموذج التجريبي ليغرق في بحيرة باتريشيا بالقرب من منطقة جاسبر في مقاطعة ألبرتا الكندية، حيث لا تزال لوحة تذكارية قائمة حتى اليوم، توثّق هذه المحاولة الفريدة لبناء حاملة طائرات من الجليد.
ويظل مشروع "هابكوك" مثالا لافتا على الابتكار في أوقات الأزمات، حين تدفع الحاجة العسكرية إلى التفكير خارج كل الأطر التقليدية، حتى لو كانت النتيجة فكرة أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
20-03-2026 02:12 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||