حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,8 مارس, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 4699

فيصل تايه يكتب: حين تصوم الفكرة .. وتفطر التفاهة

فيصل تايه يكتب: حين تصوم الفكرة .. وتفطر التفاهة

فيصل تايه يكتب: حين تصوم الفكرة  ..  وتفطر التفاهة

08-03-2026 11:03 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : فيصل تايه
هناك قاعدة قديمة في الإعلام تقول : إذا لم تكن لديك فكرة جيدة، فارفع الصوت قليلاً ، وأضف بعض الأضواء، وسيظن المشاهد أن شيئاً مهماً يحدث ، ويبدو أن بعض شاشاتنا أخذت هذه القاعدة على محمل الجد، فقررت أن تقدم لنا بعد الإفطار عرضاً يومياً صاخباً، كل ما فيه حاضر إلا الفكرة.

المشهد يبدأ دائمًا بطريقة احتفالية: موسيقى عالية، أضواء تدور، ومذيعة أو أكثر متحمسة تقفز في الاستوديو كما لو أنها تعلن اكتشاف قارة جديدة ، كل شيء يوحي بأن حدثاً كبيراً على وشك الوقوع ، بينما الحقيقة أن الحدث الوحيد هو وصول البرنامج إلى الدقيقة الخامسة.

ثم يأتي السؤال، السؤال الذي يمكن أن يخطر على بال طفل وهو ينتظر الحافلة المدرسية، والمتسابق وبايحاء من المذيعه وكأنه يتأمل قليلاً، يضع يده على رأسه دون أن نراه، ينظر إلى السقف دون أن نلحظه، كأنه يبحث عن الإلهام بين المصابيح ، لحظة صمت درامية، ثم يطلق الإجابة ، ويفجر الاستوديو صخباً وكأن الإنسان اكتشف الماء الساخن.

أما المشاهد في البيت، فينظر إلى الشاشة متعجباً، ثم يسأل نفسه بهدوء: هل هذا احتفال بإجابة، أم احتفال بمرور الوقت؟

العبقرية الحقيقية في بعض هذه البرامج ليست في الأسئلة، بل في قدرتها الفائقة على تضخيم العادي حتى يبدو إنجازاً ، سؤال بسيط يتحول إلى لحظة درامية، وإجابة يعرفها الجميع تصبح بطولة تستحق التهليل ، إنه فن جديد في صناعة التلفزيون، فن صناعة الدراما من قشة صغيرة، وتحويل الإجابة البسيطة إلى حفل وطني ، فكيف تصنع حدثاً كبيراً من فكرة صغيرة جداً؟

ثم تأتي اللمسة التي لا تخلو منها الحلقة: الجرعة الوطنية الثقيلة ، فجأة يظهر الوطن في السؤال، ويقفز الانتماء والهوية والفخر في جملة لا علاقة لها بكل ذلك ، وسؤال بسيط جداً، لكن لا بد من تزيينه بكلمات كبيرة حتى يبدو أكثر وقاراً، وكأن الوطنية أصبحت مثل الزينة الرمضانية: توضع في كل مكان، حتى عندما لا يكون لها مكان.

المفارقة أن كل هذا يحدث على شاشاتنا، الشاشات التي يفترض أن تمثل الذوق العام ومستوى الوعي الثقافي، لكنها في بعض الأمسيات تبدو وكأنها دخلت في تجربة إعلامية جديدة: اختبار قدرة المشاهد على الصبر، كأن الرسالة غير المعلنة تقول: لا تقلقوا بشأن الفكرة، الضجيج سيقوم بالباقي.

لا أحد يطلب برامج فلسفية معقدة بعد الإفطار، الناس تريد التسلية، وهذا حقها، لكن التسلية نفسها فن يحتاج إلى ذكاء وخفة روح واحترام بسيط لعقل المشاهد.

أما ما نشاهده أحياناً فليس ترفيهاً بقدر ما هو استسهال إعلامي مريح: أضواء كثيرة، تصفيق كثير، وأسئلة لا تزعج العقل كثيراً، وكأن البرنامج يقول للمشاهد: "هدئ عقلك، نحن سنفعل الباقي."

وربما تزداد المفارقة وضوحاً حين نتذكر زمناً لم يكن فيه التلفزيون بحاجة إلى كل هذا الصخب ليبقي الناس أمام الشاشة بعد الإفطار ، كانت الفكرة هي النجمة الحقيقية، وكان الإعلامي يقف خلف برنامجه بالمعرفة والحضور، لا بالموسيقى الصاخبة ، يكفي أن نتذكر الإعلاميين والاعلاميات الذين تركوا بصمتهم ، كلهم كانوا يديرون الحوارات ويقدمون البرامج بعد الإفطار بأسلوب هادئ وراقي، بعيداً عن الصخب والمؤثرات المبالغ فيها ، وحتى الدراما الأردنية كانت قادرة على جمع العائلات حول الشاشة في أعمال ، حيث كانت الحكاية والشخصيات وحدها تكفي لصنع المتعة ، أما اليوم، فيبدو أن بعض البرامج اكتشفت طريقاً أقصر بكثير: فكرة صغيرة جداً ، وضجيج كبير جداً.

وفي النهاية، يغلق المشاهد التلفزيون بعد ساعة كاملة من الصخب والحماس، ليكتشف أنه خرج من البرنامج كما دخل إليه تماماً: بلا فكرة جديدة، ولا متعة حقيقية، ولا شيء يبقى في الذاكرة.

وهكذا، بعد الإفطار كل مساء، تقدم بعض تلك الشاشات برنامجاً غير معلن العنوان، لكنه واضح المضمون:
كيف يمكن أن تكون الساعة التلفزيونية مليئة بكل شيء ، إلا الفكرة.
ودمت سالمين











طباعة
  • المشاهدات: 4699
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
08-03-2026 11:03 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تحقق الحرب الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران أهدافها؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم