حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,8 مارس, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 32430

البطوش يكتب: حرية القول وحدود المسؤولية

البطوش يكتب: حرية القول وحدود المسؤولية

البطوش يكتب: حرية القول وحدود المسؤولية

08-03-2026 08:53 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : ماهر البطوش
أصبح الحديث في أيامنا هذه أكثر حضوراً في حياتنا من أي وقت مضى، ولم يعد محصوراً في مجلس ضيق أو نقاش عابر، بل أصبح فعلاً عاماً قد تتجاوز آثاره حدود المكان والزمان، لا سيما مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي. ومع هذا الاتساع لم تعد الكلمة مجرد تعبير شخصي فحسب، بل أصبحت سلوكاً عاماً قد تترتب عليه آثار اجتماعية وقانونية تمس النظام العام والسلم المجتمعي. ومن هنا فإن التمسك بأخلاقيات الحديث وآدابه لم يعد مجرد قيمة أخلاقية، بل ضرورة تتصل كذلك باحترام القواعد القانونية التي تنظم ممارسة حرية التعبير.
لقد تغير شكل الحوار في زمن السرعة، وأصبحت العجلة صفة غالبة على أحاديث الناس، حتى أصبح الكثيرون يتحدثون قبل أن يتروّوا فيما يقولون أو يقدروا تبعات كلماتهم. فانتشرت الجدالات الحادة، والتعليقات الجارحة، والألفاظ القاسية، خصوصاً في الفضاء الرقمي، حيث يتوهم البعض أن وجوده خلف الشاشة يعفيه من المسؤولية. غير أن القاعدة المستقرة قانوناً تقضي بأن حرية التعبير لا تعني إطلاق القول دون قيد، بل تبقى مقيدة بعدم المساس بحقوق الآخرين أو الاعتداء على كرامتهم أو إثارة الفتنة بينهم، باعتبار أن حرية الفرد تقف عند حدود حقوق الغير ومتطلبات النظام العام.
فالدساتير الحديثة ومنها الدستور الأردني، وإن كفلت حرية الرأي والتعبير، فإنها لم تجعلها حرية مطلقة، بل قيدت ممارستها باحترام القانون وعدم الإضرار بالغير أو بالمصلحة العامة. وبذلك فإن الكلمة متى خرجت إلى المجال العام، تصبح فعلاً ذا أثر قانوني يمكن أن يترتب عليه نوع من المساءلة إذا تجاوزت حدود النقد المشروع إلى الذم، أو القدح، أو التحريض، أو نشر خطاب الكراهية، فالأثر الذي قد تتركه الكلمة في النفوس والعلاقات الاجتماعية قد يكون أعمق من الضرر المادي، وهو ما أدركه المشرّع الأردني حين نظم المسؤولية القانونية عن إساءة استعمال حرية التعبير.
إن الكلمة في جوهرها مسؤولية، وهذه المسؤولية تقتضي قدراً من الوعي والانضباط الأخلاقي. فالصدق على سبيل المثال، ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل يمثل كذلك التزام ينسجم مع مقتضيات القانون، لأن نشر الأخبار الكاذبة أو الإشاعات قد يؤدي إلى الإضرار بالسلم المجتمعي أو تضليل الرأي العام. وقد التقت القيم الدينية مع المبادئ القانونية في التحذير من خطورة التهاون في القول، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم:" إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها في النار سبعين خريفًا " وهو توجيه يعكس إدراك مبكر لمسؤولية الإنسان عن كلماته وما قد يترتب عليها من آثار.
ومن أخلاقيات الحديث التي تراجعت في زمننا أدب الإصغاء، رغم كونه ركيزة أساسية لأي حوار سليم. فالحوار في مفهومه الاجتماعي والقانوني لا يقوم على الغلبة اللفظية أو إقصاء الرأي الآخر، بل على تبادل الآراء في إطار من الاحترام المتبادل. غير أن كثيراً من النقاشات اليوم تحولت إلى صراعات صوتية يغيب عنها الهدوء، ويُستبدل فيها الإقناع بالإهانة، وهو ما لا ينسجم مع المبادئ الدستورية التي تقوم على احترام الرأي الآخر وترسيخ ثقافة الحوار المسؤول.
ولا يقتصر ضعف أخلاقيات الحديث على الأفراد، بل يمتد كذلك إلى بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل التي قد تُضخّم الخلاف وتدفع نحو التصعيد في الخطاب، متناسية دورها في التوعية وبناء الرأي العام الواعي والمسؤول. فبدل أن تكون الكلمة أداة للتنوير ووسيلة لتقريب وجهات النظر، تتحول أحياناً إلى وسيلة للاستفزاز وجذب الانتباه، فيتراجع الحوار البنّاء وتضعف قيمة الخطاب الرصين، رغم أن القوانين الإعلامية ومواثيق الشرف الصحفي تؤكد على ضرورة الالتزام بالموضوعية واحترام الكرامة الإنسانية.

إن الحاجة اليوم ماسة إلى إحياء ثقافة الحديث الراقي، لا بوصفها قيمة أخلاقية فحسب، بل باعتبارها أحد المقومات الأساسية لدولة القانون. فالتربية على احترام الرأي، وضبط اللسان واختيار الألفاظ اللائقة، تسهم في الوقاية من النزاعات قبل وقوعها وتحدّ من تفاقم الخلافات التي قد تنتهي إلى ساحات القضاء. فالمجتمع الذي يُحسن الحديث يُحسن التعايش، والمجتمع الذي يضبط كلمته يرسخ استقراره ويحمي سلمه المجتمعي.
وفي النهاية تبقى الكلمة مرآة لصاحبها، تكشف عن خلقه ووعيه بقدر ما تكشف عن ثقافته. وإذا كان الإنسان يُعرف من منطقه، فإن المجتمعات كذلك تُقاس بمدى احترام أفرادها للكلمة وحدودها. فالكلمة الطيبة ليست مجرد خلق كريم، بل سلوك مسؤول ينسجم مع روح القانون ويعززه الدستور. وفي زمن كثرت فيه الأصوات، يبقى أرقاها ذلك الصوت الذي يجمع بين حرية التعبير واحترام الإنسان، ويجعل من الحديث جسراً للتفاهم لا أداة للهدم.











طباعة
  • المشاهدات: 32430
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
08-03-2026 08:53 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تحقق الحرب الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران أهدافها؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم