الفرجات تكتب: البترا .. حين يُختبر الوفاء وتُترك الثروة وحدها

منذ 4 أيام
المشاهدات : 40870
الفرجات تكتب: البترا ..  حين يُختبر الوفاء وتُترك الثروة وحدها

هالة هارون الفرجات

في وادي موسى، لا نتحدث اليوم عن أرقامٍ عابرة ولا عن موسمٍ سياحي خجول، بل عن حياةٍ كاملة توشك على الانطفاء.
هنا، حيث شكلت السياحة شريان الحياة الوحيد، بات الصمت سيد المشهد والأبواب المغلقة عنوان الأيام والقلق ضيفًا ثقيلًا في كل بيت.
البترا لم تكن يومًا عبئًا على الدولة بل كانت وما زالت ثروة الأردن وواجهته السياحية الأولى ورافدًا اقتصاديًا حمل اسم الوطن إلى العالم وساهم لعقود في دعم الاقتصاد الوطني.
أكثر من 85% من اقتصاد لواء البترا يعتمد بشكل مباشر على السياحة الأجنبية وحين توقفت، توقفت معها الأرواح قبل الأرزاق واهتز معها كامل البناء الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة.
عشرات المنشآت أُغلقت، مئات الموظفين سُرحوا وأصحاب المهن السياحية والفندقية والتجارية الصغيرة من أدلاء سياحيين وأصحاب رواحل وعاملين في مختلف القطاعات، وجدوا أنفسهم فجأة بلا دخل بلا أفق وبلا بدائل.
والأخطر من الركود ذاته هو استمرار حالة الانتظار.. انتظار قرارات لا تأتي وخطط تُعلن دون تنفيذ ووعود تتكرر بينما المدخرات تنفد والقروض تتراكم..
نحنُ لا نبالغ حين نقول إن البترا اليوم أمام مفترق حاسم، إما تدخل حكومي عاجل وجاد أو انهيار اقتصادي واجتماعي يصعب ترميمه لاحقًا.
ومن هنا وبلغة المسؤولية لا العاطفة، يُطرح كمقترحٍ عاجل أمام أبناء اللواء والجهات المعنية "إعداد وثيقة مطالب عاجلة لإنقاذ وادي موسى" تُصاغ بشكل جماعي من أبناء البترا والفعاليات الاقتصادية والمجتمعية لتكون صوتًا موحدًا ينقل حجم الأزمة بوضوح وشفافية إلى صانع القرار.
وتقوم هذه الرؤية المقترحة على مجموعة محاور أساسية أبرزها:
#حماية مالية عاجلة عبر تأجيل الالتزامات البنكية دون فوائد أو تصنيف سلبي وبرامج دعم أجور تحمي ما تبقى من العمالة في القطاع السياحي.
#دعم مباشر للفئات والقطاعات الأكثر تضررًا في اللواء بما يشمل العاملين في السياحة الميدانية والفندقية والتجارية الصغيرة.
#تخفيف الأعباء والرسوم من خلال إعفاءات ضريبية ومسقفات ورسوم ترخيص خلال فترة الركود.
#تنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية عبر توجيه المؤتمرات والفعاليات الرسمية إلى البترا وإعادة تصميم برامج السياحة المحلية والعربية بحيث تضمن المبيت وتحريك السوق فعليًا.
#تنويع اقتصادي حقيقي عبر دعم مشاريع إنتاجية واستثمارية وخدمية تقلل الاعتماد شبه الكامل على السياحة.
#تفعيل صندوق مخاطر للقطاع السياحي يكون جاهزًا للتدخل في الأزمات ويمنع تكرار الانهيار عند كل صدمة إقليمية أو عالمية.
إن هذه البنود ليست مطالب رفاه، بل إجراءات إنقاذ عاجلة لمدينة تقف اليوم على حافة الانكماش الكامل وتحتاج قرارًا بقدر ما تحتاج وقتًا.

أبناء البترا (اللياثنه) لم يتخلوا يومًا عن وطنهم وكانوا في كل المراحل عنوانًا للكرامة والصبر وحماية الإرث العالمي بجهدهم وعرقهم واليوم لا يطلبون أكثر من حقهم في العيش بكرامة كما صانوا مدينتهم بكرامة.

ختامًا..
البترا لا ترفع صوتها طلبًا للشفقة ولا تقف على أبواب أحدٍ تستجدي الاهتمام..
هي التي وقفت لقرون شاهدةً على مجد هذا الوطن وصنعت اسمه في ذاكرة العالم حجرًا وحضارةً وهوية.
لكنها اليوم، تقف على حافة الصمت الذي يسبق الانكسار..!!
صمتٌ لا يُسمع فيه إلا وقع الانتظار وثقل الأيام وأنين البيوت التي أنهكها الركود..
وفي قلب هذا الصمت لا يُطلب المستحيل، بل يُطلب الإنصاف.
إنصافٌ يعيد للمدينة نبضها ولأهلها حقهم الطبيعي في الحياة بكرامة.
فالقضية ليست اقتصادًا فقط بل حياة مدينة كاملة تُختبر اليوم أمام العالم..
فالبترا ليست مدينة تُدار بالأرقام فقط، بل ذاكرة وطن وكرامة ناس ونبض حياةٍ كاملٍ إذا خفت، خفتَ معه جزء من روح الأردن..
وإن تُركت البترا اليوم وحدها..
فلن يكون ذلك مجرد تراجعٍ اقتصادي بل سؤالًا كبيرًا عن معنى العدالة حين تُختبر على أرض الواقع.
فالبترا لا تموت..
لكنها إذا أُهملت، تُطفأ ببطء..
كما تُطفأ ذاكرة وطنٍ كان يضيء العالم.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم