حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الخميس ,22 يناير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 5546

الفاهوم يكتب: مفاهيم مغلوطة في ممارسة الإدارة

الفاهوم يكتب: مفاهيم مغلوطة في ممارسة الإدارة

 الفاهوم يكتب: مفاهيم مغلوطة في ممارسة الإدارة

21-01-2026 10:23 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : الاستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
التسلّط الإداري ليس مجرد خللٍ في أسلوب الإدارة، بل انحرافٌ أخلاقيٌّ عميق يختبئ خلف مسمّى السلطة. فعندما يتسلّط المدير، فإنه لا يمارس دورًا إداريًا مشروعًا، بل يرتكب ظلمًا مركّبًا يبدأ من ذاته قبل أن يمتد إلى موظفيه. يظلم نفسه لأنه يختزل القيادة في الخوف، ويظلم المؤسسة لأنه يبدّد طاقاتها، ويظلم الإنسان لأنه يكسر المعنى النبيل للعمل ويحوّله إلى ساحة صراع صامت.

كم من موظفٍ كفءٍ ومخلص يحمل في داخله طاقات جبّارة وأفكارًا خلاّقة، لكنه يجد نفسه محاصرًا بعقلية لا ترى في السؤال وعيًا ولا في المبادرة إضافة. في بيئة التسلّط، يصبح الصمت فضيلة مفروضة، وتتحوّل الطاعة إلى معيار للتقييم، ويُعاقَب الإبداع لأنه يخرج عن المألوف. هناك تُجهض الأفكار قبل أن تولد، وتُدفن الكفاءات تحت ركام القهر الإداري، لا لقصورٍ فيها، بل لأن حضورها يربك هشاشة المتسلّط ويكشف خواءه.
المتسلّط لا يخشى الخطأ بقدر ما يخشى المقارنة. يخاف من موظفٍ يرى الصورة أوسع، ويفهم العمل أعمق، ويتقن ما لم يتقنه هو. لذلك يحارب الكفاءة لأنها مرآة ضعفه، ويقمع الإبداع لأنه يهدد نفوذه، ويُكثر من الأوامر لأنه يفتقر إلى الرؤية. يعتقد أن رفع الصوت يُخفي العجز، وأن الشدّة تعوّض نقص الحكمة، فيغفل عن حقيقة بسيطة وهي أن السلطة التي لا تُدار بالعدل تتحوّل سريعًا إلى عبءٍ على صاحبها قبل غيره.

وفي المقابل، يقف الموظف المجتهد حائرًا بين ما يؤمن به وما يُفرض عليه. يشكّك في ذاته، ويعيد حساباته، وربما يحمّل نفسه ذنبًا لم يرتكبه. هنا يصبح من الضروري أن يُقال له بوضوح وصدق إنك لست فاشلًا ولا مقصّرًا، بل أنت ضحية عقلية إدارية مريضة ترى في السيطرة إنجازًا وفي الإقصاء قوة. قيمتك لا يحدّدها مزاج متسلّط ولا توقيع جائر، بل يحدّدها ما تحمله من معرفة وأمانة وقدرة على العطاء.

الإدارة في جوهرها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون موقعًا تنظيميًا. هي فنّ تمكين لا ممارسة قهر، وبناء ثقة لا صناعة خوف، وصناعة معنى لا فرض صمت. القائد الحقيقي لا يخشى أن يبرز من حوله، لأنه واثق أن نجاحهم امتداد لنجاحه، وأن قوتهم إضافة لا تهديد. أما المتسلّط، فمهما طال زمنه، يبقى ظاهرة مؤقتة تخلّف وراءها مؤسسات مُنهكة وموظفين مُثقلين وذاكرة تنظيمية جريحة.

وحين يُدرك المجتمع المؤسسي هذه الحقيقة، يبدأ الش
فاء. يتعلّم أن يقيس القيادة بقدرتها على إطلاق الطاقات لا خنقها، وبحكمتها في إدارة الاختلاف لا قمعه، وبإنسانيتها في التعامل مع البشر لا تحويلهم إلى أدوات. عندها فقط، يستعيد العمل معناه، وتستعيد الإدارة رسالتها، ويتحوّل المنصب من وسيلة تسلّط إلى مساحة أمان وعدل ونمو.







وسوم: #العمل




طباعة
  • المشاهدات: 5546
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
21-01-2026 10:23 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل ينجح ترامب من خلال محاكمة مادورو في إثبات قانونية العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم