سرايا - غيب الموت، يوم الأربعاء، الممثل والمخرج الفلسطيني القدير محمد بكري، عن عمر ناهز 72 عاما، بعد مسيرة فنية ووطنية استثنائية جسد فيها وجع فلسطين، وصمد أمام كل محاولات طمس صوتها.
رحل بكري، ليس كمجرد فنان، بل كـ"جذر فلسطيني وسيم"، كما وصفه كثيرون، ترك وراءه إرثا إنسانيا وفنيا لا تمحى آثاره.
ولد محمد بكري عام 1953 في قرية البعنة بالجليل، ونشأ على تراب فلسطين، يحمل في عينيه حكايات النكبة، وفي قلبه وجع اللاجئين، وشغفا لا ينضب بالفن كوسيلة للتحرير والتعبير. منذ أن دخل عالم المسرح من بوابة جامعة تل أبيب، لم ير في الفن ترفا أو تسلية، بل سلاحا أخلاقيا لفضح الظلم، وصوتا للصامتين. وعلى خشبات المسارح من "هابيما" إلى "القصبة" في رام الله، ومن "مسرح حيفا" إلى مسارح باريس وهولندا، حمل بكري فلسطين في كل حركة، في كل نظرة، في كل كلمة.
رحيل الفنان والمخرج الفلسطيني الكبير محمد بكري
لكن مسيرته لم تكن مفروشة بالورود. فقد واجه ملاحقة سياسية شرسة من السلطات الإسرائيلية، خصوصا بعد إخراجه الفيلم الوثائقي "جنين جنين" عام 2002، الذي سجل شهادات حية من قلب مخيم جنين إبان اجتياح "الدرع الواقي"، ووثق الدمار والموت الذي خلفه الاحتلال الإسرائيلي. فرض حظر على عرض الفيلم في إسرائيل، ووجهت له تهم باطلة، وقدمت ضده دعاوى قضائية استمرت سنوات. ومع ذلك، لم ينكسر. بل قالها صريحة وشجاعة:"لو عاد الزمان، لكنت أعدت تصوير الفيلم مرات، لأفضح جرائم لا إنسانية لا يريد الاحتلال أن يراها العالم".
"جنين جنين" لم يكن مجرد فيلم، بل كان وثيقة شهادة لشعب يحاصر، ويحاصر صوته، لكن بكري فضل أن يكون صوتا، ولو كلفه ذلك غرامات، ومحاكمات، وعزلة فنية. ومع ذلك، استمر، ينتج، يخرج، يمثل، ويجسد القضية من دون مساومة.
وإذا كانت السينما قد عرفته عبر أفلام مثل "وراء القضبان" الذي رشح لجائزة الأوسكار، و"حيفا"، و"هانا ك."، فإن المسرح كان موطنه الحقيقي. عروضه مثل "المتشائل" المونودراما التي أعاد فيها إحياء رواية إميل حبيبي، و"الليل والجبل"، و"الموت والعذاء"، لم تكن مجرد عروض فنية، بل شواهد مقاومة ثقافية. فقد آمن أن المسرح مساحة للحرية، وأن التمثيل هو وسيلة لاستعادة الذات.
ورغم عيشه داخل الخط الأخضر، ظل بكري يرفض أي شكل من أشكال التطبيع مع المحتل، متمسكا بفلسطينية هويته، لا كخطاب، بل كمنهج حياة. لم يساوم على الحقيقة، ولم يساوم على روايته. وكان دائما يقول:"أنا فلسطيني، وهذا لا يناقش".
ترك بكري خلفه زوجته ليلى، وستة أبناء، من بينهم آدم وزياد وصالح، الذين امتشقوا ذات القلم والضوء والخشبة، ليكملوا مسيرة والدهم، فتصبح العائلة بكاملها علامة في المشهد الثقافي الفلسطيني، تمتد جذورها من البعنة، وتتفرع في كل فضاء حر.
في غيابه، لا نقول "وداعا"، بل "إلى لقاء"، حين ترفع القبور، ويحيى الصادقون. فمحمد بكري ليس مجرد اسم في سجل الفن، بل هو جزء من الذاكرة الفلسطينية الحية، صوت لا يهدأ، وصورة لا تمحى.
رحل الجذر، لكن فلسطين تبقى، لأن رجالا مثله زرعوا في ترابها إرادة البقاء.
المصدر: RT
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
الأردن اليوم
إعلان صادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربية للناجحين بالثانوية العامة
منذ 6 أيام
02
03
الأردن اليوم
مهم من "القبول الموحد" للناجحين في التوجيهي بشأن فتح باب التقديم للجامعات الرسمية
منذ 3 أيام
05
الأردن اليوم
العين القضاة: متسولة تجمع 30 ألف دينار من التسول .. ثم تُقتل على يد ابن شقيقتها
منذ 4 أيام
آخر الأخبار
فن
حكيم وبابلو مفاجأة الموسم السابع من مزيكا صالونات والحلقة الأولى الثلاثاء
منذ 1 ساعة
فن
الموسيقار هشام نزيه: أعمل حاليًا على موسيقى الفيل الأزرق 3
منذ 1 ساعة
فن
شعر كيرلى وإطلالة مميزة .. صبا مبارك تفاجئ جمهورها بلوك مختلف
منذ 1 ساعة
فن
نوال الزغبي تكرّس نجوميتها في مصر
منذ 2 ساعة
فن
بعد سداده أجر الخادمة .. انقضاء دعوى حبس أحمد عز بالتصالح مع زينة
منذ 5 ساعات
أخبار فنية
فن
حكيم وبابلو مفاجأة الموسم السابع من مزيكا صالونات والحلقة الأولى الثلاثاء
منذ 1 ساعة
فن
الموسيقار هشام نزيه: أعمل حاليًا على موسيقى الفيل الأزرق 3
منذ 1 ساعة
فن
شعر كيرلى وإطلالة مميزة .. صبا مبارك تفاجئ جمهورها بلوك مختلف
منذ 1 ساعة
فن
نوال الزغبي تكرّس نجوميتها في مصر
منذ 2 ساعة
فن
بعد سداده أجر الخادمة .. انقضاء دعوى حبس أحمد عز بالتصالح مع زينة
منذ 5 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
شاهندا المغربي أول مصرية وعربية تدير نهائي أمم أفريقيا للسيدات .. ماذا نعرف عنها؟
منذ 1 ساعة
رياضة
5 لاعبين يضمنون أماكنهم فى تشكيل الأهلى بالموسم الجديد
منذ 1 ساعة
رياضة
الصور الأولى لزواج رونالدو وجورجينا .. حفل في غرفة المعيشة "بلا شهر عسل"
منذ 4 ساعات
رياضة
ريال مدريد يكتسح شالكه ويبعث رسالة قوية قبل الموسم الجديد
منذ 5 ساعات
رياضة
تتجاوز المليار يورو .. ما هي القيمة السوقية للدوري السعودي؟
منذ 6 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
الحبس عامين لمذيع بإذاعة القرآن الكريم في مصر .. ما القصة؟
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
بعد اتهامه بالتحرش الجنسي بسميرة سعيد .. ماضي نجم CBS مات غاتمان المثير للجدل يعود إلى الواجهة
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
"صوفيا" الاسم الأكثر تفضيلا للبنات في أوروبا
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
مصرع 12 شخصا في حادث حافلة بولندية في هنغاريا
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
حين تتحوَّل رائحة الزهور إلى صداع .. طبيبة تكشف المحفزات الخفية
منذ 9 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات