سرايا - فجر 19 نوفمبر عام 1942، بينما كانت ستالينغراد المدمرة تنزف منذ أربعة أشهر تحت الغزو النازي، انطلقت رعود المدافع السوفيتية معلنة بداية هجوم مضاد سيغير مجرى الحرب العالمية الثانية.
كانت المدينة، التي أطلق عليها النازيون اسم "الجحيم على الأرض"، قد تحولت إلى مرجل من النار والدماء، حيث صمدت ببطولة أسطورية أمام القوة الغاشمة للجيش الألماني، رغم أن مبانيها تحولت إلى ركام ولم يبق فيها حجر على حجر. حان الوقت في ذلك اليوم لتحول تاريخي، وانتقل الجيش الأحمر من الدفاع البطولي إلى الهجوم الاستراتيجي الكاسح.
لم يكن هذا الهجوم مجرد رد فعل عسكري، بل كان عملية محكمة دُعيت باسم "أورانوس"، شاركت فيها قوات ثلاث جبهات سوفيتية هي الجنوب الغربي وستالينغراد والدون، بهدف تطويق وتدمير القوات الألمانية المحاصرة للمدينة.
بدأت المعركة الحاسمة بقصف مدفعي هائل استمر ثمانين دقيقة، اخترق صميم الليل البارد، لتنطلق بعدها قوات الجبهتين الجنوبية الغربية والدون في هجوم متزامن. كانت الصورة مختلفة على خطي النار، فبينما تقدمت قوات الجنوب الغربي بسرعة مذهلة، واخترقت دفاعات الجيش الروماني الثالث متقدمة حوالي 35 كيلومترا في اليوم الأول، واجهت جبهة الدون مقاومة شرسة، حيث تقدم جيشها الخامس والستون خمسة كيلومترات فقط دون أن يتمكن من اختراق خط الدفاع الأول.
في اليوم التالي، انضمت قوات جبهة ستالينغراد إلى المعركة، لتنطلق كالسهم نحو دفاعات الجيش الروماني الرابع، متوغلة مسافة ثلاثين كيلومترا. كانت الخطة السوفيتية تتحقق بدقة مذهلة، وبحلول الحادي والعشرين من نوفمبر، كانت الجيوش الرومانية قد تحطمت بالكامل، وأصبح فيلق الدبابات التابع للجبهة الجنوبية الغربية يندفع بلا هوادة نحو منطقة "كالاتش" الحيوية، التي سقطت في الثاني والعشرين من نوفمبر.
اللحظة التاريخية الحاسمة كانت في الثالث والعشرين من نوفمبر، حين التحمت قوات الفيلق الميكانيكي السادس والعشرين للجبهة الجنوبية الغربية مع الفيلق الميكانيكي الرابع لجبهة ستالينغراد عند مزرعة سوفيتسكي، مكملة تطويق الجيش السادس الألماني وقوات رئيسية من جيش الدبابات الرابع، بما مجموعه 22 فرقة و160 وحدة منفصلة، تضم حوالي 300 ألف جندي وضابط.
لم تكن هذه المعركة مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كانت صراع إرادات وتحولا في مسار الحرب. فبعد أن أعطى مقر القيادة السوفيتية في الرابع والعشرين من نوفمبر الأمر بتدمير مجموعة ستالينغراد الألمانية، بدأت المعركة النهائية التي أسفرت عن تدمير جيشين ألمانيين وجيشين رومانيين وجيش إيطالي، مع حصار الجيش الألماني السادس بقيادة الجنرال فريدريش باولوس.
دخلت معركة ستالينغراد التاريخ كواحدة من أكثر المعارك شراسة ودموية، حيث بلغت خسائر الجيش الأحمر 478.741 جنديا، منهم 323.856 في المرحلة الدفاعية و154.885 في المرحلة الهجومية. بالمقابل، خسرت القوات النازية حوالي 300.000 جندي، بينما خسر حلفاؤها من الرومانيين والإيطاليين والمجريين والكروات حوالي 200.000.
كانت الخسائر المادية هائلة أيضا، حيث فقد الألمان وحلفاؤهم ما يصل إلى ألفي دبابة وثلاثة آلاف طائرة، بينما خسر الجيش الأحمر 4341 دبابة و2769 طائرة.
وراء هذه الأرقام تكمن قصة صمود وإرادة غير عادية، فقد كانت ستالينغراد نقطة التحول التي لم تعد فيها هزيمة ألمانيا النازية مسألة خاضعة للشك، بل مصيرا محتوما. كما قال الكاتب الروسي يوري بونداريف، الذي شارك في الحرب: "عاشت طاقة ستالينغراد فينا".
المؤرخ البريطاني آلان كلارك عبر عن أهمية المعركة بقوله: "في ستالينغراد، لم تكن إرادة الروس على المحك فحسب، بل أيضا التقييم العالمي للقوة الألمانية. كان الانسحاب من ساحة المعركة بمثابة اعتراف بالهزيمة".
مثلت معركة ستالينغراد منعطفا حاسما ليس فقط في الحرب ضد الغزو النازي للاتحاد السوفيتي، بل في مسار الحرب العالمية الثانية بأكملها. أعطت هذه المعركة الشعب السوفيتي ثقة كاملة في النصر، ورسمت بداية النهاية للآلة العسكرية الألمانية. ورغم أن الطريق إلى برلين كان لا يزال طويلا، ورغم أن الجيش الأحمر واجه بعد ستالينغراد هزائم تكتيكية وسوء تقدير، إلا أنه احتفظ بالمبادرة الاستراتيجية التي انتزعها بتضحيات هائلة، ولم يفلتها من يده حتى سقطت برلين وانتهت الحرب بانتصار الحلفاء. لقد كانت ستالينغراد بمثابة البوتقة انصهرت فيها إرادة الشعب السوفيتي، لتنبعث منها قوة أسطورية غيرت مجرى التاريخ.
المصدر: RT
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
منوعات من العالم
الاعلامي المصري أحمد طه يودّع جمهوره برسالة مؤثرة بعد مغادرته قناة الجزيرة .. فيديو
منذ 4 أيام
04
05
آخر الأخبار
منوعات من العالم
صقر الجديان .. طائر تخشاه الأفاعي ويتصدر شعار السودان
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
رفضت العودة إليه فقتلها .. تفاصيل مأساوية لإنهاء حياة سيدة على يد طليقها بالمنوفية!
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
القضاء الأمريكي يقضي بالسجن مدى الحياة على مسؤول إطفاء بتهمة الاعتداء الجنسي
منذ 6 ساعات
منوعات من العالم
بظروف غامضة .. سيدة تلقي بنفسها وطفلها من مبنى شاهق في بغداد
منذ 6 ساعات
منوعات من العالم
صاحب محل يُخفي جثمان والدته 4 أشهر لضمان صرف المعاش بالإسكندرية
منذ 7 ساعات
أخبار فنية
فن
يوليو المقبل .. هيفاء وهبي تستعد لإحياء حفلا غنائيا في الأردن
منذ 51 دقيقة
فن
مدحت صالح يكشف تفاصيل تعاونه الفني مع ابنه أدهم في كليب جديد (فيديو)
منذ 1 ساعة
فن
محمد رمضان يروّج لأغنيته الجديدة من مدينة السلام في القاهرة
منذ 1 ساعة
فن
عمرو سعد يكشف عن تعاقده لتقديم مسلسل جديد في رمضان 2027
منذ 3 ساعات
فن
جديد حادث محمد مرزبان .. كاميرات مراقبة قد تقلب الموازين
منذ 4 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
رسميًا .. ريال مدريد يعلن التعاقد مع مارك كوكوريلا حتى 2032
منذ 40 دقيقة
رياضة
قميص يثير الجدل .. هل تدعم ابنة رونالدو غريمه ميسي في كأس العالم؟
منذ 1 ساعة
رياضة
تشكيل المنتخب السعودي ضد أوروغواي في كأس العالم
منذ 1 ساعة
رياضة
السلامي يعقد مؤتمره الصحفي الأول قبل مواجهة النمسا فجر الثلاثاء
منذ 3 ساعات
رياضة
خلال ساعات .. شقيقان يفوزان مع منتخبين مختلفين في كأس العالم
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
صقر الجديان .. طائر تخشاه الأفاعي ويتصدر شعار السودان
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
رفضت العودة إليه فقتلها .. تفاصيل مأساوية لإنهاء حياة سيدة على يد طليقها بالمنوفية!
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
القضاء الأمريكي يقضي بالسجن مدى الحياة على مسؤول إطفاء بتهمة الاعتداء الجنسي
منذ 6 ساعات
منوعات من العالم
بظروف غامضة .. سيدة تلقي بنفسها وطفلها من مبنى شاهق في بغداد
منذ 6 ساعات
منوعات من العالم
صاحب محل يُخفي جثمان والدته 4 أشهر لضمان صرف المعاش بالإسكندرية
منذ 7 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات