د.نشأت العزب يكتب: عندما تكون المشكلة هي الحل .. الطبيب الأردني بين مطرقة البطالة و سندان الذكاء الاصطناعي

منذ 9 شهور
المشاهدات : 14443
د.نشأت العزب يكتب: عندما تكون المشكلة هي الحل ..  الطبيب الأردني بين مطرقة البطالة و سندان الذكاء الاصطناعي
د.نشأت العزب

د.نشأت العزب

كان لقرار وزارة التعليم العالي الأردنية بتخفيض أعداد المقبولين في كليات الطب لم يأتِ من فراغ، بل هو انعكاس لحقيقة مؤلمة طالما حاولنا تجاهلها: هناك أطباء أكثر من حاجة السوق، وفرص أقل من طموحات الخريجين. لسنوات، كان الطب بالنسبة لآلاف الطلبة هو الحلم الذهبي، لكن الواقع بدأ يفرض منطقه الصارم؛ بطالة تتزايد بين الأطباء الجدد، فرص تدريب محدودة، وضغط متنامٍ على القطاع الصحي، فقد كان الطبيب الأردني يجد في أسواق الخليج وأوروبا وأمريكا متنفسًا لطاقاته وفرصًا واعدة للعمل، لكن المشهد تغير جذريًا؛ تلك الأسواق اكتفت ذاتيًا بأطبائها، ولم تعد بحاجة إلى الأعداد الكبيرة من أطبائنا، بل وحتى الولايات المتحدة وأوروبا أصبحت مقاعد العمل فيها شديدة الندرة، نتيجة التنافس العالمي الهائل وكثرة المتقدمين من مختلف الدول وفي الأفق، يطل الذكاء الاصطناعي، ليس كمجرد أداة مساعدة، بل كقوة إعادة تشكيل للمهنة ذاتها.

قد يظن البعض أن تخفيض مقاعد الطب هو انتكاسة، لكن أحيانًا، ما يبدو عقبة اليوم قد يكون الجسر الذي نعبر به إلى الغد، ففي عالم يتغير بسرعة الضوء، من لا يرى المستقبل، لن يكون موجودًا فيه، نحن أمام مرحلة جديدة تتطلب أن نعيد تعريف دور الطبيب، لا أن نتمسك بصورة نمطية لم تعد صالحة لعصر الخوارزميات والتحليلات الفورية.

وهنا تتقاطع هذه اللحظة مع رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني، التي طالما أكد فيها على أن الأردن يجب أن يكون مركزًا للتميز والابتكار، وأن التعليم هو المفتاح لصناعة مستقبل أكثر تنافسية، جلالته يربط بين قوة الإنسان الأردني وبين قدرته على مواكبة العلوم الحديثة، ويرى أن الاستثمار في التعليم النوعي، لا الكمي، هو الطريق لضمان مكانتنا في الإقليم والعالم، هذه ليست مجرد كلمات، بل دعوة عملية لنا كي نعيد صياغة منظومتنا التعليمية بما ينسجم مع متطلبات الاقتصاد المعرفي، الذي يشكل الذكاء الاصطناعي أحد أعمدته الرئيسية.

الحل لا يكمن فقط في خفض الأعداد، بل في إعادة توجيه البوصلة التعليمية، على الطلبة أن ينظروا نحو التخصصات التي ستحكم سوق العمل في العقدين المقبلين مثل التكنولوجيا الطبية، علوم البيانات الصحية، الهندسة الطبية الحيوية، الذكاء الاصطناعي التطبيقي، وإدارة الرعاية الصحية الذكية، إن الطبيب القادم لن يكون مجرد معالج للأمراض، بل صانع حلول متكاملة، يجمع بين الفهم العميق للجسم البشري والقدرة على توظيف أدوات المستقبل.

من لا يتغير، يتلاشى، ومن يظن أن الطب سيبقى كما كان قبل عشرين عامًا، سيفاجأ بأن بعض مهاراته ستؤديها الآلات بكفاءة أكبر، لذلك فإن تخفيض مقاعد الطب يجب أن يقترن بخطط واضحة لإعداد جيل طبي قادر على التفاعل مع التكنولوجيا بدلًا من مقاومتها، وهذا لا يعني تهميش إنسانية المهنة، بل تعزيزها، فالمستقبل سيحتاج إلى طبيب يعرف كيف يقرأ البيانات، ويحلل النتائج، ويقدم القرار العلاجي بحسّ إنساني لا يمكن أن تمنحه الخوارزميات.

ربما كان هذا القرار جرس إنذار، لكنه أيضًا فرصة ذهبية، فالطريق أمامنا ليس طريق “الأكثر عددًا”، بل “الأكثر جاهزية”. وإذا أردنا أن نحقق رؤية جلالة الملك في أن يكون الأردن رائدًا في الإبداع والمعرفة، فعلينا أن نعمل منذ اليوم على إعادة هيكلة التعليم الطبي، وفتح آفاق جديدة للشباب في التخصصات المستقبلية، حتى نصنع أطباءً وقادة فكر وعلم، لا مجرد حاملي شهادات، ومن يدرك أن المشكلة جزء من الحل، سيكتشف أن أصعب القرارات اليوم، هي ما يصنع بقاءنا غداً.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم