سرايا - تقرير : رهام الخزاعلة - في ساعات الصباح الأولى داخل أسواق الخضار في الأردن، حيث تختلط أصوات الباعة بصخب الصناديق وروائح الفجر، يبرز مشهد لا ينسجم مع المكان: أطفال بأجساد صغيرة يرفعون صناديق تفوق قدرتهم، ويتنقلون بين البسطات بخطى متعبة، وكأنهم وُلدوا في قلب سوق العمل لا في مساحة الطفولة.
لا يُسأل الطفل هنا عن عمره، بل عن قدرته على الحمل. ومع كل صندوق يُرفع، تتراجع الطفولة خطوة إلى الخلف أمام واقع يفرضه الفقر وغياب البدائل.
وبحسب مسح دائرة الإحصاءات العامة لعام 2016، يبلغ عدد الأطفال في الأردن (5–17 عامًا) نحو 4 ملايين طفل، منهم حوالي 69,661 طفلًا يعملون، بينهم قرابة 44,917 طفلًا في أعمال خطرة.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الظاهرة ليست هامشية، بل تمتد إلى شريحة واسعة من الأطفال، في وقت تتداخل فيه العوامل الاقتصادية والاجتماعية في تشكيلها، وعلى رأسها الفقر والبطالة وضعف الحماية الاجتماعية.
ومع ارتفاع معدلات الفقر إلى نحو 35% والبطالة إلى 21.4% في عام 2024، تشير تقديرات خبراء إلى احتمال تزايد أعداد الأطفال العاملين في ظل غياب بيانات رسمية حديثة.
عمر: طفل يعمل من أجل العلاج
في زاوية من السوق، يقف عمر (10 سنوات) بين صناديق الخضار، يحاول رفعها رغم أنها تفوق قدرته الجسدية. يتنقل بصمت بين الباعة، يلتقط أنفاسه بين كل عملية حمل وأخرى.
عمر لا يعمل بحثًا عن مال، بل من أجل علاج. يعاني من مشكلة صحية في النمو، ويحتاج إلى علاج شهري تصل كلفته إلى نحو 120 دينارًا، وهو ما لا تستطيع أسرته تأمينه، ما دفعه إلى العمل كخيار اضطراري لا يحتمل التأجيل.
سامي: طفل أصبح معيلًا
على مقربة منه، يعمل سامي (11 عامًا) في صمت واضح. يتحرك بين الزبائن والبسطات، يحمل ما يستطيع، ثم يعود ليبدأ من جديد في دورة عمل لا تتوقف.
انفصال والديه وظروفه الأسرية وضعته أمام مسؤولية مبكرة، دفعته إلى العمل بدل الدراسة.
يقول سامي:
“إذا ما اشتغلت… ما في أكل.”
جملة قصيرة تختصر انتقال طفل من مقاعد الدراسة إلى موقع المعيل داخل أسرته.
زيد: العمل بدل الطفولة
في حالة أخرى، يعمل زيد (14 عامًا)، وهو طفل سوري، في التحميل والتنزيل داخل السوق منذ ساعات الفجر الأولى. يتحرك بين الحشود بخفة يكتسبها من التكرار لا من الاختيار.
يقول زيد:
“أشعر أن ظهري سينكسر… لكن لا خيار لدي.”
ينهي يومه منهكًا، ويعود إلى منزله دون طاقة، في مشهد يعكس واقع الأطفال اللاجئين داخل سوق العمل تحت ضغط الحاجة.
التحديات في مكافحة عمالة الأطفال
تؤكد وزارة التنمية الاجتماعية أن التعامل مع حالات عمالة الأطفال يتم عبر مكاتب الدعم النفسي والاجتماعي، بهدف إعادة الأطفال إلى التعليم، إلى جانب تقديم مساعدات اقتصادية للأسر لتقليل الاعتماد على عمل الأطفال. إلا أن الحاجة الماسة للدخل تبقى العائق الأكبر أمام نجاح هذه الجهود.
دور أصحاب العمل ومسؤوليتهم
تشير مديرة المناصرة في مؤسسة إنقاذ الطفل نادين النمري إلى أن تشغيل الأطفال مستمر رغم القوانين، بسبب انخفاض كلفة تشغيلهم مقارنة بالبالغين.
وترى أن الحد من الظاهرة يتطلب تشديد القوانين وفرض غرامات رادعة، إلى جانب مسؤولية أصحاب العمل في توفير ظروف آمنة للأطفال وعدم استغلال هشاشتهم الاقتصادية.
وتوضح مسؤولة الاتصال والإعلام في مركز تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان شيرين مازن أن المركز يعمل على رفع الوعي بمخاطر عمالة الأطفال، خصوصًا في القطاعات الخطرة، من خلال جلسات ميدانية تستهدف الأطفال وأسرهم وأصحاب العمل.
وتشير إلى أن غياب الإحصائيات الحديثة يمثل تحديًا كبيرًا، في وقت تدفع فيه الظروف الاقتصادية العديد من الأسر إلى تشغيل أطفالها رغم المخاطر.
كما توضح أن الأطفال يعملون في قطاعات متعددة تشمل الزراعة، التحميل والتنزيل في الأسواق، المحال التجارية، المقاهي والمطاعم، وعربات النقل، لافتة إلى أن ضعف التمكين الاقتصادي للأسر يبقى أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار الظاهرة.
القوانين بين الحماية والتطبيق
ينص قانون العمل الأردني على منع تشغيل من هم دون 16 عامًا، ويحظر تشغيل من هم دون 18 عامًا في الأعمال الخطرة، كما ينص قانون حقوق الطفل 2022 على حماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي.
ورغم وجود إطار وطني للحد من عمالة الأطفال، إلا أن التطبيق ما يزال يواجه تحديات مرتبطة بالفقر وضعف الرقابة، ما يجعل الفجوة بين النص القانوني والواقع واضحة.
وترى مفوض الحماية في المركز الوطني لحقوق الإنسان الدكتورة نهلة المومني أن معالجة الظاهرة تتطلب تمكين الأسر اقتصاديًا، وتوفير بدائل تعليمية، وتطبيقًا صارمًا للقوانين لضمان حماية الطفل.
الجهود الحكومية والتشريعات القانونية
يؤكد الناطق باسم وزارة العمل محمد الزيود لسرايا أن التفتيش على عمالة الأطفال يشكل نحو 15% من مجمل الزيارات التفتيشية للوزارة، مع وجود قسم مختص بمتابعة هذه الحالات.
وتمنع القوانين تشغيل من هم دون 16 عامًا، وتحظر تشغيل من هم دون 18 عامًا في الأعمال الخطرة، مع فرض غرامات تصل إلى 500 دينار، إلا أن تطبيق القانون يواجه تحديات في ظل الظروف الاقتصادية وانتشار العمل غير المنظم.
أرقام مقلقة: اتساع الظاهرة تحت ضغط الفقر والبطالة
تشير بيانات المرصد العمالي إلى أن ارتفاع معدلات الفقر والبطالة أسهم في زيادة عدد الأطفال العاملين بشكل ملحوظ.
وبحسب آخر إحصائية رسمية تعود إلى عام 2016، يعمل نحو 75 ألف طفل في الأردن، بينهم حوالي 45 ألف طفل في أعمال خطرة. ومع ارتفاع المؤشرات الاقتصادية، تتزايد المخاوف من توسع الظاهرة في ظل غياب تحديثات رسمية دقيقة.
تتداخل في ظاهرة عمالة الأطفال في الأردن خيوط الفقر والبطالة وضعف الحماية القانونية، لتنتج واقعًا يبقى فيه الطفل الحلقة الأضعف بين الحاجة وغياب البدائل.
وفي النهاية، تبدو الطفولة هنا مؤجلة… تُستبدل بالعمل قبل أن تكتمل ملامحها، فيما يواصل الأطفال يومهم في الأسواق، حيث يُقاس العمر بقدرة التحمل لا بعدد السنوات.
.
الاردن .. 56 % من عمالة الأطفال في القطاع الزراعي
وزارة العمل: ضبط 68 حالة عمل أطفال خلال الربع الأول من عام 2024
الرجاء الانتظار ...
التعليقات