المحامي أكرم الزعبي يكتب: بين خطاب الدولة والخطاب الديني

منذ 1 سنة
المشاهدات : 12020
المحامي أكرم الزعبي يكتب: بين خطاب الدولة والخطاب الديني
 المحامي أكرم الزعبي الرئيس السابق لرابطة الكتّاب الأردنيين

المحامي أكرم الزعبي الرئيس السابق لرابطة الكتّاب الأردنيين

لّلغة دور مهم في التعبير عن المشاعر والأفكار ، ويلعب حُسنُ اختيار الكلمات المناسبة الدور الأهمّ في هذا، ولذلك تمّ التفريق بين (اللغة) التي تحتمل الكثير من اللغو والكلام الزائد، وبين (اللسان) الذي لا يحتمل الزيادة في المبنى والمعنى، ويشكّل الخطاب الموجّه إلى جماعةٍ معينة من الناس صورةً حيّة للخلط بين اللغة واللسان، فعلى حين تختلف الكلمات من خطابٍ إلى آخر بحسب طبيعته والفئة المستهدفة منه، فإنّ المعنى يظل هو المقصود من أيّ خطاب.

يظهر الخطاب الديني كأكثر النماذج بروزًا على مدار التاريخ، من حيث ثباته لجهتي المبنى والمعنى، واحتكاره على فئةٍ من الناس بطريقةٍ لا تسمح لأيٍّ كان بالولوج إليه، وهو ما أعطى حاملي هذا الخطاب صفة الولاية على التفكير، ففي حين يدعو الدّين بنصوصه السماوية المتعددة إلى التفكّر والتفكير وإعلاء قيمة العقل وتقديمه على النقل، يظلّ الخطاب الديني جامدًا، مقدّمًا النقل على العقل، مستندًا إلى مقولاتٍ بشريةٍ قد لا تثبت صحتها ولا نَسَبُها إلى أصحابها، وبعيدًا عن صحة ذلك من عدمه، أو صوابه من خطئه، فإنّ ثبات الخطاب الديني قد عزز ثقته لدى المؤمنين به، وأنتج حالةً عجيبةً في الاستماتة في الدفاع عنه

بخلاف ذلك تمامًا، يأتي خطاب الدولة بعكس الخطاب الديني لناحية الثبات والديمومة، فيتماهى مع كلّ حدثٍ في وقته، مما يضطّرُ محرري الخطاب إلى استخدام لغةٍ خاصةٍ بذلك الحدث، وذلك ما يجعل لغة الخطاب متغيّرة، ويفرض بالضرورة فكرة الدفاع، أكثر من إنتاجه خطابًا يكرّس المبادئ الثابتة للدولة، وهذا التغيّر في خطاب الدولة يوقع الكثيرين في أزماتٍ حقيقية عند كل حوار.

الخطاب الثابت للدولة، وتعزيز الثقة به وترسيخه قولًا وسلوكًا، يمنح الثقة والطمأنينة لمجموع الشعب، يجعلهم في محيطها الذي تريد، مدافعين عن رؤيتها الواضحة، متبنين لروايتها المقنعة، بعيدًا عن خوفهم من الوقوع تحت طائلة المساءلة القانونية، أو التشكيك في ولاءاتهم وانتماءاتهم.

والخطاب الواثق والثابت للدولة يعكس ثقتها بنفسها، تلك الثقة التي تنعكس بالضرورة على مجموع المجتمع، وتحلُّ كثيرًا من الإشكاليات في الدولة مثل مسألة الهوية، مكافحة الفساد، حرية التعبير، وغيرها من القضايا التي تشغل بال المؤمنين بالمواطنة والوطن وقضاياه المختلفة.

ليس على الدولة أن تظلّ في دائرة الدفاع نفسها في خطاباتها، ولا أن تبرّر في كلّ أزمة سلوكها، ففي حين يتسّق خطاب الدولة ونهجها الثابت مع فعلها، يكون عليها أن تسمح بممارسة ذلك القول والفعل لأفراد منتسبيها وجماعاتها المختلفة، وبذلك تبني ثقةً متبادلةً بينها وبين عنصرها الفاعل (الشعب)، وبخلاف ذلك تظلُّ الفجوة في اتساعٍ واضح بين الدولة وشعبها، وهو ما لا تحرص الدولة الواعية على وقوعه.

الحاجة إلى تبادل الأدوار بين الخطاب الديني وخطاب الدولة صار أمرًا ملحًا، والحاجة إلى تحرير العقل من الجمود، وفكّ عقال الخوف من الرأي الجادّ الموضوعي أيًا كان هذا الرأي هو السبيل والقاعدة الأساس لبناء الأوطان، فالخوف والتردد لا يصنعان وطنًا أبدًا، وتردّد الخطابِ أو العمل بعكسه، أو منع الآخرين من اتّباعه يُنتجُ حالةً مجتمعيةً من الإحباط الذي إذا صار مزمنًا صار علاجه أقرب إلى المستحيل.

المحامي أكرم الزعبي
رئيس رابطة الكتّاب الأردنيين السابق
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم