لم يكن الجزء الثاني من لقاء القامة الوطنية، الأستاذ عبد السلام الطراونة، مع الإعلامي علي الطراونة عبر فضاء "عرب سكاي"، مجرد استحضار لذاكرة مجهدة، بل كان انبعاثاً حياً لزمن الكبار، وتفجيراً لينابيع الحكمة التي اختزنتها روحُ رجلٍ عُجن طينُه بصوان "مؤاب" وعُمّد بماء "الكرك" الأبية ، فهو لقاء تجاوز "الحوار المفقود" ليصبح "النشيد الموجود" في وجدان كل من آمن أن الكلمة موقف، وأن الموقف حياة.
من رحم هذا الوجدان الصادق، أخذنا "أبو سليمان" إلى لحظةٍ توقفت فيها أنفاس المشاهدين ، حين انهمر وجداً وهو يتحدث عن وحيدته الإعلامية المبدعة "منى" ، فهنا، تجلى الذكاء الإنساني في أبهى صوره ، حين كشف لنا أن "منى" ليست مجرد ابنة، بل هي "عالَمُه" الذي استعاد من خلاله ملامح والدته التي سرقها الموت وهو ابن ثلاث سنوات ، بدمعةٍ حرّى كتمتها كبرياء الرجال، قالها بلسان الحال: إن منى هي "السلوى القدرية" التي مسحت غبار الحزن عن قلب طفل ظل يبحث عن طيف أمه بين نجوم "الحسينية" ، فقلق "أبو سليمان" الأبوي، الذي كان يقتفي أثر سيارة ابنته خوفاً عليها في بدايات عملها، لم يكن ضعفاً، بل كان "قداسةً" لرسالة الوفاء التي يحملها تجاه "منى" التي رأى فيها طهارة الغائبين وعزّ الحاضرين.
هذا النبل الإنساني في البيت، لم ينفصل يوماً عن الشراسة المهنية في الميدان ، فقد انتقل الطراونة بذكاءٍ مهني فذ إلى كواليس "السلطة الرابعة" في أزهى عصورها، كاشفاً عن دخوله كشريك في صحيفة "الدستور" ، ومساهمته في تلك "الافتتاحية الموحدة" التي هزت عروش القرار ، حيث روى بابتسامة الواثق كيف اجتمع "دهاقنة" الصحافة ، الشريف وحماد ومصاروه وعرار، ليواجهوا تضييق الحكومات بوقفة رجل واحد ، فكانت تلك اللحظة هي "معمودية النار" لصحفيٍ تعلم من العملاق "محمود الشريف" أن الجملة القصيرة في الإذاعة هي ذاتها الرصاصة في الصحافة ، كما استذكر قصة الشفرة المتفق عليها معه حين اتصل به قبل منتصف الليل بخمس دقائق ليقول له: "الطقس جميل يا عبد السلام"، وهي الإشارة لفك الحصار ونشر الافتتاحية العادية بعد تدخل الحكماء .
وفي هذا السياق، استذكر ولادة (Jordan Times) من رحم الرؤية الملكية للحسين العظيم، واختيار سمو الأمير الحسن لاسمها، التي بدأت بأربعة أشخاص فقط، منهم "تيدي ليزجر" وزوجته، وبإمكانات يدوية تسبق عصر الكمبيوتر ، لتكون "منصةً أردنية" تخاطب العالم بلسانٍ عربيٍ مبين، وصولاً إلى رئاسة مجلس إدارة صحيفة "الرأي" ، وهو ما يثبت أن الطراونة لم يكن مجرد ناقل للخبر، بل كان صانعاً لمنصات التنوير ، وموجهاً لبوصلة الصحافة الوطنية.
وعلى ذات الصراط من الجرأة المهنية، وبزهو القومي الذي لم يتبدل، استعاد الطراونة قصة مقالته الشهيرة "أكياد يا عرب أكياد"، التي هزت أركان القصر في "عابدين" وأغضبت الرئيس السادات ، والذي طلب ايقافها انذاك ، تلك المقالة التي كُتبت انتصاراً لدم سليمان خاطر، فلم تكن مجرد حبرٍ على ورق، بل كانت "انفجاراً" للوعي العروبي الذي تشبع به في دمشق ، فتسبب المقال بمصادرة "الدستور" في مصر، لكنه كسب خلود الموقف حين جاءه الاتصال من "جامعة المنصورة" ليعترف له أكاديمي مصري حصل على النسخة المصادرة بطريقته بأن كلمات الطراونة أعادت لروح "عبد الرحمن الكواكبي" نبضها ، وإنه الصحفي الذي لم يعترف يوماً بالحدود المصطنعة حين يتعلق الأمر بوجع الأمة.
ولأن المواقف الكبرى لا تتجزأ، فقد فجر الطراونة مفاجأةً من عيار ثقيل حين كشف عن رفضه للمناصب الدبلوماسية والسلك الخارجي رغم نجاحه الباهر في الامتحانات وتدربه في أمريكا وتفوقه مع زملائه شاكر عربيات ومازن النشاشيبي ، وكان السبب هو "فلسفة الرحيل" ، رحيل وصفي التل ، فقالها بمرارة تفتت الصخر: "الأردن بلا وصفي كان غصة لا تُحتمل" ، فقد كان وصفي هو "بوصلة" أحلامه، وبرحيله فقدت المناصب بريقها في عيني رجلٍ آثر أن يبقى "جندياً" في خندق الكلمة، وفاءً لشهيد علّمه أن الأرض لا تُباع، وأن الرجال لا يُشترون.
وفي ختام هذه الملحمة، يضعنا "أبو سليمان" أمام درس بليغ في التربية والقناعة ، وهو الذي تَقَلد أرفع الأوسمة من جلالة الملك عبد الله الثاني، وحاز على أرفع الجوائز التقديرية فلم يطمح للوزارة لأن "وسام الاستقلال" في قلبه أرفع من كل الكراسي، ولأن "الرضا" الذي يسكنه هو نتاجُ عمر لم يبع فيه حرفاً، ولم يخن فيه وطناً.
ولم ينسَ يوماً "جيشية" الماء الباردة في بيدر والده ، فظل وفياً لوصايا البدايات ، مستذكراً والده الشيخ سليمان إبراهيم الذي علمه القومية منذ الصغر، حين خيّره بين التدخين وبين التبرع بـ (٣ قروش) لصندوق ثورة الجزائر، فاختار الجزائر ولم يدخن سيجارة واحدة طوال عمره ، كما استذكر والدته التي ربّته وقامت على شؤونه ، والتي أوقفت "عناده" لاسترداد (دنم أرض) من أحد الجيران قائلة له: "هؤلاء غاليين على أبوك ، فوتها لهم"، ليعلمنا أن العلاقات الإنسانية والوفاء للآباء أغلى من الأمتار الترابية.
لقد قدّم لنا عبد السلام الطراونة في هذا اللقاء "الخلطة السحرية" للرجولة ، مزيج من اليتم والصلابة، من المهنية والوفاء، ومن القومية والوطنية الصادقة.
سيبقى "أبو سليمان" هو "هيكل الأردن" الذي لا يشيخ، وحارس الكلمة التي لا تنحني، وسليل الأرض التي "لا تُباع إلا لطلب علمٍ أو علاج".
فيصل تايه يكتب: عبد السلام الطراونة .. "عنادُ الحق" في زمن الانكسار
منذ 6 شهور
المشاهدات :
58590
فيصل تايه
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
الفاهوم يكتب: نوبل الاقتصاد 2026 ودور المعرفة في صناعة استقرار الدول
منذ 6 ساعات
كُتاب سرايا
روشان الكايد يكتب: الشرق الأوسط على أعتاب المواجهة الكبرى
منذ 6 ساعات
كُتاب سرايا
سعيد ذياب سليم يكتب: القط اللعوب
منذ 6 ساعات
كُتاب سرايا
الدكتور علي الصلاحين يكتب: "الأسرة المعاصرة اغتراب تحت سقف واحد: أزمة الدفء في الأسرة المعاصرة"
منذ 6 ساعات
كُتاب سرايا
أحمد محمد علي يكتب: سرقة جوائز السلام .. والخجل الاعلامي
منذ 9 ساعات
أخبار فنية
فن
عبدالله الطليحي يكشف تفاصيل دوره في "هدب عيني"
منذ 5 دقائق
فن
شقيقة ماثيو بيري تكشف الجانب الحزين وراء زفافه في "فريندز"
منذ 44 دقيقة
فن
بعد غياب 14 عاماً .. فضل شاكر يستعد لـ"عودة الغائب" والجمهور يتوافد للحفل
منذ 45 دقيقة
فن
معهد الفيلم الأمريكي يمنح توم كروز جائزة الإنجاز مدى الحياة
منذ 46 دقيقة
فن
كريم الشناوي يكشف صعوبات كواليس "عنبر الموت" بطولة منة شلبي
منذ 7 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
التعمري يهز شباك يوفنتوس ويكتب التاريخ في الدوري الأوروبي
منذ 16 دقيقة
رياضة
على طريقة كاسياس .. فابريغاس يطلب من لاعبيه "الرأفة" بمانشستر يونايتد
منذ 56 دقيقة
رياضة
ماذا قال ميسي قبل تكريمه بجائزة أميرة أستورياس؟
منذ 1 ساعة
رياضة
النمارنة يمنح الحسين إربد انتصارا على دوقرة في دوري المحترفين
منذ 1 ساعة
رياضة
الولايات المتحدة تستضيف أول نسخ كأس العالم للأندية للسيدات 2028
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
منوعات من العالم
لصوص متجر أبل فرنسا في ورطة .. "أجهزتكم معطلة ونتتبعكم"
منذ 43 ثانية
منوعات من العالم
زلزال بقوة 7 درجات يضرب منطقة التبت في الصين
منذ 54 دقيقة
منوعات من العالم
فيروس شاموندا ينتشر في أوروبا وإصابة بشرية أولى بفرنسا
منذ 57 دقيقة
منوعات من العالم
الشرطة المصرية تقبض على مجرم شديد الخطورة
منذ 7 ساعات
منوعات من العالم
لماذا يمتلك برج العقرب أقوى حاسة سادسة في دائرة الأبراج؟
منذ 22 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات