نستطيع أن نؤرخ لتاريخ المنطقة العربية الممتدة من اليمن إلى المغرب، بما قبل بدء البعثة النبوية وما بعدها، كتغير شامل قلب المنطقة بشتى أشكالها، فما ترويه كتب السير من علامات بعد ولادة النبي محمد عليه السلام كانت تمهد لانطلاقة أخرى مغايرة تماما لما قبلها للشعوب والقبائل العربية التي كانت تعيش في ضياع دون فكر أو وجود حضاري شامل يجعلها قوة مؤثرة في ذاتها قبل أن يتجه تأثيرها لمقاومة الغزو الخارجي. كان التقسيم الحضاري لجزيرة العرب واليمن وبلاد الشام ومصر متشتت وفي حالة ضياع، لا توجد فيه أقل أنواع اللقاء سوى التبادل التجاري والغزو القبلي المتأثر بالحضارات المستعمرة وانصياع كامل لنفوذها العسكري. وإذا كانت المنطقة شهدت تواجدا لبعض الحضارات العربية المتعاقبة، إلا أنها كانت غير مكتملة، فالأنباط مثلا وهي أقوى الحضارات العربية كان ينقصهم الفكر الديني أو المنظومة الفكرية مقارنة مع التواجد الديني اليهودي فسيطرت عليهم عبادة الأصنام، فيما تميزوا لستة قرون بالقوة السياسية والتوسع المعماري، ونرى المسيحيين الغساسنة تابعين بشكل كلي في مناطق الشام للقوة الرومانية، وشرقا فإن المناذرة يتبعون الحضارة الفارسية سياسيا دون أن تنتقل لهم أو أن يحصلوا على القوة الحضارية الفارسية. البشرية عموما قبل البعثة النبوية كانت تعاني من الإرهاق والضياع، ولم تكن أية حضارة قادرة على النهوض في البشرية، فالرومان غرقوا في القتل والانحلال الأخلاقي والاستعمار الامتصاصي للآخر فيما تقف القوة الفارسية على عقائد عبادة النار وسيطرة الحكام على حقوق الشعوب. على الصعيد الديني، اليهود متفرقون وعقيدتهم منكفئة على نفسها ولا تقبل المد لمعتنقيها، وتتجه إلى الانزواء السكني، فيما عانت المسيحية من الاستغلال الروماني السياسي بعد القرن الخامس الميلادي وتوزعت باقي المذاهب على مناهج سلوكية أو صوفية غير شاملة للنهوض بحاضرة تجلب العدل الاجتماعي وتقديم منظومة سلوكية تخرج العالم من ضياعه. أسوأ الحالات التاريخية فكريا واجتماعيا كانت في الجزيرة العربية، حيث ولد الرسول في مكة التي كانت تتآكلها أنظمة الاستعباد والربا وعبادة الحجارة، ولا يوجد بها أي مسلك أخلاقي، سوى بلاغيات لغوية لا تقدم سوى بعض العادات الشخصية المتلازمة مع سلوكيات عربية عادية جدا. الأمة "الأمية" العربية لم يكن لها رسالة مثل المسيحية أو اليهودية أو منهجا أخلاقيا مثل اليونان أو قوة عسكرية أو حتى حكماء، إنما تجمعات بين بقايا الإبراهيمية لشعائر سيما الحج، ومن ثم عبادة متخلفة لا تناسب حتى ذلك، أما السلوكيات المجتمعية فقد كانت الأسوأ وتخدم عظماء، مثلما وصف العالم سيد قطب نظامها المعيشي بأنه لا يصلح حتى لمجموعة من الخراف، أما سياسيا فلم يكن لها سوى جولات وحروب قبلية داخلية وغياب كامل للنظام اجتماعي. مهّد الله سبحانه وتعالى لقائد الأمة بشخصية تختلف سلوكيا عن معالم الشخصية العربية الغارقة في الشهوات وحب المال، فقد نشأ الرسول في طفولته بعيدا عن عبادة الصنم والانكباب على الخمر والنساء لذا سمي "بالصادق" واختار له الله نسبا لعائلة عريقة لها شرف سقاية الحجيج، وتكللت هذه الشخصية بأحسن الصفات، وأبعده الله عن جميع مصادر العلم والشعر في ذلك العصر. عندما أرسل الرسول لتغيير منحى الجزيرة العربية الخالية فكريا والمستعمرة حضاريا كان يحمل رسالة العلم بكلمة "أقرأ"، وهذه أكبر عراقيل الفترة المسمية بالجاهلية لأنها تفقد لمنهج معرفي تنظيمي، ومن المؤكد أن تواجه دعوته بالرفض والمحاربة من قبل المستغلين للضياع الأخلاقي للقبائل، وسرعان ما جرف الإسلام تلك الشوائب ليقف النبي العظيم في فتح مكة لإعلان عصر جديد يهدم عبادة حجارة ويعلن عن دين إلهي أخلاقي اجتماعي يملك الشمولية للانطلاق من مكة إلى الأرض كلها بعد أن سامح جاهلية مكة السابقة ونقلها من الطاغوت إلى العدالة الإلهية، فتتوسع أراضي المسلمين وتتحرر تباعا من عبودية الإنسان والفرس والرومان إلى وجود العقل والفكر في انسجام متكامل مع فطرة الله التي عكسها الإسلام. لم تكن ولادة الرسول بداية تغير جذرية للجزيرة العربية وحسب بل للبشرية بأكملها. فقد صهر الإسلام عقائد الفرس وجعلهم علماء كانوا من أهم المفكرين والمغيرين في التاريخ الإسلامي واتجه غربا إلى الأندلس ليسجل أقوى الفترات الحضارية الانسانية فيها. شكلت شخصية الرسول تغيرا في مفهوم الحضارة التي تعتمد على المد والتوسع العسكري والاقتصادي إنما تغيير السلوك المنافي للعقل الإنساني وصيانة حرية العيش للفرد والمجتمع. ولادة الرسول قلبت موازين البشرية وختمت الرسائل السماوية وصنعت تغيرات شاسعة في تاريخ البشرية جغرافيا وتأريخيا وقلبت معالم الحضارات. فأزيل بعضها وضعف آخر وانتصر البعض، ولم تعد الجزيرة العربية مناطق قبلية بل مراكز حضارية مؤثرة وصار للعالم نظاما فكريا دينيا، يمكن عبره أن نجمع بين الروح والحضارة بين العدل والقوة دون الإخلال بعناصرها
الأكثر قراءة
01
02
04
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
المواجدة تكتب: «عزّنا بطبعنا» .. الأردن والسعودية أخوّة راسخة وشراكة تتجدد في اليوم الوطني السعودي الـ96
منذ 1 يوم
كُتاب سرايا
فيصل تايه يكتب: يا أمانة عمّان : أشجار عمّان ذاكرة المكان
منذ 1 يوم
كُتاب سرايا
أ. د. ليث كمال نصراوين يكتب: إدارة الاختلاف في الأردن
منذ 1 يوم
كُتاب سرايا
عبدالله عويضه يكتب: “غير مطابق” .. أصبحت كلمة واحدة كافية لقتل فرصة أردني بالوظيفة !!!!
منذ 1 يوم
كُتاب سرايا
فادية العتيبي تكتب: ما يجري في الجامعة الأردنية ليس شأنًا داخليًّا وإنّما قصة تستحق أن تُروى
منذ 1 يوم
أخبار فنية
فن
ياسمين عبد العزيز عن خوضها دراما رمضان المقبل: الوقت ضيّق
منذ 2 ساعة
فن
لأسباب صحية .. فضل شاكر يغيب عن جلسة محاكمته في لبنان
منذ 5 ساعات
فن
بعد اعتذاره لياسمين عبد العزيز .. رضوى الشربيني تفاجئ العوضي برسالة حادة-صورة
منذ 5 ساعات
فن
أحلام تهنئ الدكتورة يومي بمولودها الجديد بهدية فاخرة ورسالة حب مميزة
منذ 7 ساعات
فن
الحرب تشتعل بين مصطفى كامل ونقيب الفنانين التونسيين بسبب هاني شاكر
منذ 8 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
المحكمة تفجر مفاجأة مدوية في قضية وفاة مارادونا!
منذ 2 ساعة
رياضة
من هو وكيل اللاعبين الخارق الذي يخطط لمنح ريال مدريد "صفقة العمر"؟
منذ 2 ساعة
رياضة
أولى ضحايا خسارة ريال مدريد الكارثية ضد أتلتيكو
منذ 5 ساعات
رياضة
منتخب الرياضات الإلكترونية ينهي مشواره في ربع نهائي eFootball بآسياد ناغويا
منذ 5 ساعات
رياضة
ميسي طالبه باحترامه .. من حكم مباراة السعودية والكويت في خليجي 27؟
منذ 7 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
"ناشطة نسوية" تطالب بمنح المرأة أجرًا مقابل الأعمال المنزلية التي تقوم بها - فيديو
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
"500 دولار" .. سنغافورة تفرض غرامات على الموسيقى المرتفعة داخل الحافلات
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
ويليام وهاري يتجاهلان أسئلة عن مذكرات خالهما بشأن الأميرة ديانا
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
دفع 30 دولارا في لوحة مهملة .. ثم اكتشف مفاجأة تصل إلى ربع مليون دولار
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
بالفيديو .. سيارة الموتى تقتحم مباراة كرة قدم وتتسبب في إلغائها
منذ 9 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات