فادية العتيبي تكتب: ما يجري في الجامعة الأردنية ليس شأنًا داخليًّا وإنّما قصة تستحق أن تُروى

منذ 52 دقيقة
المشاهدات : 23487
فادية العتيبي تكتب: ما يجري في الجامعة الأردنية ليس شأنًا داخليًّا وإنّما قصة تستحق أن تُروى
فادية العتيبي

فادية العتيبي

قد تبدو البداية بعيدة في ظاهرها عن مناسبة توقيع اتّفاقية التعاون التي أبرمتها الجامعة الأردنيّة ونقابة الصحفيين الأردنيين؛ لكن ما كان قريبًا وواضحًا، ذاك المشهد الذي طغى على مراسم حفل التوقيع، واكتنز كثيرًا من التفاصيل التي جعلت الصحفيين يستقرئون فيه معاني كثيرة تحاكي حسن التصرف،والقدرة على التواصل، واقتناص الفرصة واستثمارها.

ليس المهم أن تكون حاضرًا في فعالية يفترض أن تقتصرَ على تبادل التوقيعات والتقاط الصور، وفتح الباب أمام شراكات جديدة في مجالات أخرى، إلى جانب تخصيص مقاعد لأبناء الصحفيين على البرنامج الموازي للحصولِ على درجة البكالوريوس، ومنحهم خصمًا استثنائيًّا على فواتيرِ المعالجات الصّحّيّة في مستشفى الجامعة بنسبة 25%، كما جاء في بنود الاتفاقية.

الأهم أن تلحظ حسن تصرف رئيس الجامعة الأردنيّة الدكتور نذير عبيدات خلال حفل توقيع يفترض أن يكون رسميًّا، إلّا أنّه، في لحظات معدودة، استطاعَ أن يحوّله إلى حوار إنسانيّ ومِهْنيّ؛ جعل من حضور الصحفيين، من أعضاء النقابة وممثلي وسائل الإعلام، فرصة للحديث عن الجامعة، لا بوصفهم ناقلين لخبر، وإنما جزء منه، وشركاء في صناعة صورته وإيصال رسالته.

كان استقباله للصحفيين وقتها بمنتهى الحفاوة والترحاب، وحديثه إليهم، بعيدًا عن الرسمية، غلفته عفوية مطلقة، تخلله بعض الضحك، ووصفهم بألقاب محببة وقريبة من قلوبهم، كـ”السلطة الرابعة” و”صاحبة الجلالة”، وإشادات بدورهم الإعلاميّ في إبراز مكانة مؤسسات التعليم العالي وشأنها، وما تحققه من إنجازات.

لم يكن ذاك مجرد مجاملة عابرة أردفها عبيدات في لقاءٍ رسميٍّ سيمضي بعد توقيع الاتفاقية؛ بل كانت قراءة واعية منه للمقام، وإدراكًا وذكاءً لنوعية الحضور، وما يملكونه من إمكانيات وأدوات تؤهلهم لأن يكونوا شركاء في إيصال الرسالة؛ وكأنه يغازلهم بطريقة غير مباشرة: إنّ ما يجري في الجامعة ليس شأنًا داخليًّا، وإنّما قصة تستحق أن تُروى وتُحكى من على منصاتهم ومنابرهم لتصل إلى المجتمع.

نعم… فالجامعة الأردنيّة التي تملّكت قلبه قبل عقله؛ جعلته، في كلِّ لقاء أو حدث أو مناسبة، يعود إليها حديثًا عن مكانتها، وعما تعمل جاهدة لتحقيقه، وعن طموحه في أن يراها دائمًا في المكان الذي يليق بها؛ جامعة تنافس أكاديميًّا وعلميًّا، وبحثيًّا، وتتقدّم في التصنيفات، وتطرق أبواب العالميّة، لا لتكون حاضرة فيها فقط، وإنما لتكون جديرة بأن تزاحم جامعاتها المتقدّمة.

عبيدات، وخلال حديثه، أخذ الصحفيين معه إلى تفاصيل أخرى؛ إذ قال لهم إنّ مجلس أمناء الجامعة الأردنيّة الجديد، برئاسة دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة، قد عقد في اليوم الذي سبق يوم التوقيع أولى جلساته، وقد كان للصحفيين نصيب مما دار فيها من مشاورات وأفكار، ليستثير بذلك اهتمامهم برغبة الجامعة في أن يكون الإعلام قريبًا من تفاصيلها، ومطلعًا على ما يدور فيها من نقاش حول مستقبلها وتوجهاتها.

ويمضي معهم في حديثه إلى ما هو أبعد من أسوار الجامعة؛ عابرًا معهم الحدود نحو كوريا، ومتحدّثًا عن زيارته الأخيرة إليها، وحرص الجامعة على توسيع شراكاتها، واستقطاب الدعم لإنشاء مختبرات متخصصة تحتاجها البرامج الأكاديميّة التي استحدثتها الجامعة، والتي تستعد لبدء تدريسها، بما يواكب التحوّلات المتسارعة في التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل.

وفي معرض كلامه عن التحولات الاقتصادية العالميّة، قال لهم إنّ العالم يقف أمام نقطة تحوّل كبيرة، وإنّ الدول التي تعتمد على تصدير النفط لن تبقى بالضرورة الأقدر اقتصاديًّا في المستقبل، أمام دول تمتلك التكنولوجيا والمعرفة والقدرة على إنتاجها وتطويرها.

كان أسلوبه في سرد تلك الأحداث كله سلاسة ودفء وأخوية؛ لوّح من خلاله إلى سؤال أكبر وأعمق: كيف يمكن لجامعة أن تستعدَّ لعالم يتغيّر أمامها بهذه السرعة؟

حتّى تعود الجامعة الأردنيّة من جديد إلى واجهة حديثه؛ فمن وجهة نظر عبيدات، لا ينبغي على الجامعة الأردنيّة أن تنتظر المستقبل حتى يأتي إليها، بل عليها أن تستعدَّ له، وتسهم في صناعته إن استطاعت؛ كأن تعيد النظر في برامجها، وبنيتها، وتفتح مسارات جديدة في تخصصات يحتاجها المستقبل، وتوفر المختبرات التي تجعل ما يدرس في القاعات الدراسيّة قابلًا للتطبيق عمليًّا، وأن تربط التعليم بالبحثِ العلمي والابتكار والتكنولوجيا.


ومن هنا، ربّما لا يكون وصف الدكتور نذير عبيدات بأنّه “الرجل المناسب في المكان المناسب” مجرد عبارة تقال في سياق المديح؛ بقدر ما يمكن قراءة ما شهدته الجامعة خلال السنوات الأخيرة؛ منذ توليه رئاستها وحتى اليوم؛ من تحوّلات باعتباره ترجمة عمليّة لرؤية أراد من خلالها أن يعيد ترتيب كثير من مفاصلها؛ في بنيتها، وبرامجها الأكاديميّة، وتوجهاتها البحثيّة، وعلاقتها بالتكنولوجيا والابتكار، وانفتاحها على الشراكات الدَّوليّة، وسعيها لأن تكون جامعة قائدة، أكثر ذكاءً وقدرة على الاستجابة لما يفرضه العالم من تحولات. جامعة لا تكتفي بتوفير ما يحتاجه الطالب اليوم، وإنما تستعد أيضًا لما سيحتاجه غدًا.

قد يكون المقصد الذي أراد عبيدات إيصاله إلى الصحفيين أنّ ما يجري في الجامعة ليس مشاريع متفرقة أو قرارات منفصلة، وإنما أجزاء من رؤية أكبر لجامعة تعيد تعريف حضورها في زمن باتت فيه الجامعات تقاس مكانتها بقدرتها على إنتاج المعرفة، وامتلاك التكنولوجيا، وصناعة الفرص، والتأثير في المستقبل.

برأيي أنّ الجامعةَ الأردنيّة قد أسرت قلب عبيدات؛ حتى استنطقت لسانه كلما أتيح له الحديث عنها، وعن الصورة التي يطمح لأن تكون عليها؛ وكأنه لا يتعامل معها بوصفها مكان عمل، وإنما قضية يؤمن بها، ومشروعًا يراد له أن يكون أكثر قوة وحضور ومكانة. لهذا، فأيًّا كان نوع الحديث، ومهما طال في أي وقت أو مكان، سرعان ما تجد الجامعة الأردنيّة حاضرة في أغلب تفاصيل الكلام ودون أي منازع.

هذا هو رئيس الجامعة الأردنيّة الدكتور نذير عبيدات؛ الطبيب الناجح، والإداريّ المحنك، وصاحب الشخصية الحاضرة القريبة؛ الرجل الذي استطاع أن يلتقط في دقائق معدودة فرصة لقاء الصحفيين، فيحوّل مراسم توقيع إلى مساحة للحوار والتواصل، هو ذاته الذي يسعى لأن يلتقط فرص الجامعة قبل أن تفوتها؛ ليحول التحديات إلى مشاريع، والتحولات إلى برامج، والشراكات إلى مختبرات، والطموح إلى واقع.

وما بين مقام قرأه جيّدًا، ومقال قاله في وقته، فإنّ الحكاية لا تحكي قصة لقاء عابر؛ وإنما قصة أكاديميّ يعرف ماذا يريد لجامعته، وموقن أنّ الاعترافَ بمقدار حبها ليس كافيًا، وإنما يمتد بالإيمان بمستقبلها والعمل من أجله.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم