سرايا - وكأن التاريخ يعيد نفسه، وكأن التاريخ لم يمض أصلا!
وكأننا عالقون في حلق الصهيونية شوكة متمردة، فلا هي قادرة على لفظنا، ولا نحن نرضى بغير اختناقها واندحارها حلا لقضيتنا!
ها نحن بعد نحو 35 سنة نردد ما قاله نزار قباني مخاطبا أبناء غزة، فمن أيام الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت سنة 1987 كتب نزار "يا تلاميذ غزّة علّمونا…"، ولا نزال حتى يومنا هذا نتعلم من أبناء غزة معاني المقاومة المكللة بالعزة والكرامة، المُدجَّجة بالحجارة وحدها سلاحا فتيا ثائرا في وجه الصهاينة ومشروعهم الوجودي في أرض فلسطين الحبيبة، أرض الأنبياء، ومسرى رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- الأرض المباركة كما جاء وصفها في القرآن الكريم في سورة الإسراء في قوله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾.
منذ متى وغزة الأبية تواجه العدو الإسرائيلي وتقاوم براثنه؟
منذ متى وغزة العزة بعنفوانها وثباتها مصدر إلهام حي وحقيقي لشعرائنا الأحرار، وقلب عربي نابض بالحق والكفاح والمقاومة؟
منذ متى وغزة العزة بكل ما يطوّقها من قتل وذعر وتشريد، هي جرحنا الدامي، وقلبنا المليء بالإيمان بالقضية، وروحنا المشعة التائقة المتطلعة إلى وحدة الأمة الإسلامية وعزتها وسلامها؟
وما زالت غزة في كل جولة تدوس القناع العربي الزائف… لك الله يا درعنا المنيع يا غزة الأبية، فقد صدق محمود درويش حين قال:
لا أَحَدْ…
سقط القناعُ
عَرَبٌ أَطاعوا رُومَهم
عَرَبٌ وبارعوا رُوْحَهُم
عَرَبٌ… وضاعوا
سَقَطَ القناعُ
في انتفاضة فلسطين الأولى التي سميت بانتفاضة الحجارة علمنا أطفال غزة معنى أن يرضع الوليد من ثدي المقاومة، أن يسري في عروقه معنى الشهادة، وأن ينشأ في حضن القضية، ليشبّ شهيدا جميلا يسير على أحلامنا، وترفرف له قلوبنا أن يا للشهيد.
لم يكن لديهم من سلاح آنذاك سوى حجارة من كرامة يرمونها بأياد من عزة وإباء، يسارعون بأرواح متوهجة بالإيمان بالحق وأقدام ثابتة على طريقه، مطالبين بالأرض والعرض، باذلين أنفسهم حتى اقتلاعها من براثن الصهيونية، فإما النصر وإما النصر! فالشهادة عندنا نصر!
يقول في ذلك نزار قباني معجبا بصلابة أبناء غزة وعنفوانهم، مستنكرا على العرب تخاذلهم عن نصرة إخوانهم:
يا تلاميذَ غزّة
عَلّمونا بعضَ ما عندكم فَنَحنُ نِسينا
عَلِّمونا بأن نكونَ رجالًا
فلدينا الرِّجالُ صاروا عَجينا
عَلّمونا كيف الحجارةُ تغدو
بين أَيدي الأطفالِ ماسًا ثَمينًا
كيف تغدو درَّاجة الطِّفلِ لُغمًا؟
وشَريط الحرير يغدو كَمينًا
كيف مصّاصة الحليب
إذا ما اعتقلوها تحوَّلت سِكِّينا
استطاع أبناء غزة وأطفالها أن يقاوموا جيشا مجهزا بأفضل العُدَد والعتاد وأكثرها تطورا بقلوب من حجارة، تصدح على أغصان الحرية، مناشدة ما تبقّى من نخوة عربية طال سُباتها! فأصحاب القرار العربي نائمون، وذوو العزم والقوة منهم مقيدون مكبلون، وأبناء العروبة غارقون في وحول تركها لهم الاستعمار الذي استوطن أوطانهم، ومشتتون في أصقاع من الهموم التي أكلت أذهانهم وفرّقت أهدافهم، وشوّهت فكرة الانتماء لديهم، وحَدَّت من امتداد ظلال الأمة الواحدة باقتلاع جذورها وقطع النشء الجديد عن مقومات هويته الدينية والوطنية والقومية.
لم يقتصر الأمر على تخلي بعض الإخوة العرب عن دعم الفلسطينيين في انتفاضتهم ومساندتهم، بل تعداه إلى التطبيع مع العدو والوقوف في صفه، وكأن دعم القوى العالمية له لم يكن كافيا! وها نحن اليوم نرى فجور العالم صارخا في وجه الإنسانية التي يصوغها كما يحلو له وبما يخدم مصالحه وأهدافه!
الدول الكبرى -التي جعلناها كبرى- تدعم إسرائيل اليوم، وتدافع عنها بكل وضاعة، وهي تنظر في عيون الحق الأبلج بكل صفاقة! والدول العربية يترأسها صُمٌّ بكمٌ عميٌ…
ما الذي تركوه لنا حتى قال عنهم نزار:
سأقُولُ، يا قَمَرِي، عن العَرَبِ العجائبْ
فهل البطولةُ كِذْبَةٌ عربيةٌ؟
أم مثلنا التاريخُ كاذبْ؟
شوّهوا تاريخنا بالحاضر المخزي الذليل، وفتقوا الجراح ونكؤوا الندوب، وصيّروا فينا العجز واليأس، وباتت عروبتنا عارا علينا، ولعنة انتماء، وصرنا جميعا نهتف بقول نزار:
أنا يا صديقة متعب بعروبتي
فهل العروبة لعنة وعقاب؟
أمشي على ورق الخريطة خائفا
فعلى الخريطة كلنا أغراب
لولا العباءات التي التفوا بها
ما كنتُ أحسب أنهم أعراب!
ألا يحق لنا اليوم أن نصرخ ألما ونتشظى غيظا وعجزا، ونحن نسمع أحد المحسوبين على قادة العرب يفاوض على تهجير أهلنا في غزة!
كان شاعرنا الثائر يتساءل:
ما للعروبـة تبدو مثلَ أرملة؟
أليس في كتب التاريخ أفراح؟
لم تعد العروبة أرملة يا نزار، فقد دُفنت عروبتنا بدون جنازة ورفات!
لكنّها غزة، تلك المدينة العزيزة المنيعة العصية على طأطأة الرأس والانكسار…
يا أبناء غزة، يا أحبابنا الأبطال، يا نصرنا الجميل المدمّى:
"لا تبالوا بإذاعاتنا ولا تسمعونا
اضربوا… اضربوا بكل قواكم
واحزموا أمركم ولا تسألونا
نحن أهل الحساب والجمع والطرح
فخوضوا حروبكم واتركونا
إننا الهاربون من خدمة الجيش
فهاتوا حبالكم واشنقونا
نحن موتى لا يملكون ضريحا ويتامى
لا يملكون عيونا
قد لزمنا جحورنا
وطلبنا منكم أن تقاتلوا التنّينَ
قد صغرنا أمامكم ألف قرن
وكبرتم خلال شهر قرونا"
يا أبناء غزّة… علّمونا الجنون!
يقول نزار قباني في قصيدته (يا تونس الخضراء):
إن الجنون وراء نصف قصائدي *** أوليس في بعض الجنون صواب؟
بلى يا شاعر الياسمين! أتراك كنت ترى بلحظ الشاعر وحسه وإلهامه أننا سنصل يوما إلى عصر يمور فيه الجنون حتى نكاد نذهل عن أنفسنا ونحن نحاول أن نفهم ما يجري من حولنا من تكالب الدول والأمم وخذلان القريب والبعيد، إلى عصر يتصدّر فيه الإمّعة، ويتطاول فيه السفيه، ويُباري فيه العقل ريح الجنون المستعرة في كل نفس نتجاذبه… يا أبناء غزّة… يا نبض الأمة ويا أحرارها:
"يا تلاميذ غزة
أمطرونا بطولة وشموخا
إن هذا العصر اليهودي
وهمٌ سوف ينهار
لو ملكنا اليقينا
يا مجانين غزة
ألف أهلا بالمجانين
إن هم حرّرونا
إن عصر العقل السياسي
ولّى من زمان
فعلّمونا الجنونا".
إنّ طوفان الأقصى الذي صنعه من كانوا تلاميذ غزة بالأمس، فصاروا أبطال الدنيا اليوم هو أجمل أشكال الجنون في عصر العقل السياسي الجبان والعقلانية الخانعة المخاتلة، فلنغترف من نهر الجنون الذي يصنع الكرامة والإباء، والذي يعيد لنا وجودنا على الخارطة بعد أن ضيّعنا عليها المتخاذلون تحت ستار من العقل السياسي الخانع الجبان، أولئك الذين قال عنهم نزار:
"نتعاطى القات السياسي والقمع
ونبني مقابرا وسجونا
يا تلاميذ غزّة
حرّرونا من عقدة الخوف فينا
واطردوا من رؤوسنا الأفيونا"
إن وعد الله كائن لا محالة، ونصره قادم لا ريب فيه، فاعملوا فإنه يرى، وإنكم العالون ومن خذلوكم هم السافلون الأسفلون، وتمسكوا بحبل الله ووعده ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
إقرأ ايضاَ
شارك المقال:
الأكثر قراءة
02
03
04
الأردن اليوم
غضب عارم على كاتب إماراتي بسبب اتهامه للأردنيين بالتعاطف مع إيران أكثر من دول الخليج
منذ 2 يوم
آخر الأخبار
ثقافة
مركز «عدالة» ينظّم سلسلة ثلاث دورات تدريبية لتعزيز مهارات عاملات المنازل في مجالاتالسلامة وإدارة النزاعات
منذ 1 يوم
ثقافة
«عبلاطة» .. يفتح ملفات القضايا اليومية من الميدان إلى ورشة التصليح
منذ 1 يوم
ثقافة
الخروج من اللعبة .. رحلة لاستعادة الحياة من فخ التلاعب
منذ 1 يوم
ثقافة
رواية "موت بلا جسد" لمحمد الغزو .. قلق الوجود الإنساني في ظل سطوة التقنية
منذ 3 أيام
ثقافة
أمسية أدبية تتأمل المجموعة القصصية رجل في مكر امرأة
منذ 4 أيام
أخبار فنية
فن
أحمد عز يطوي صفحة "فرقة الموت" بعد ثلاث سنوات من بدء التصوير
منذ 7 ساعات
فن
ظافر العابدين يتحدث للمرة الأولى عن قصة حبّه قبل الزواج (فيديو)
منذ 9 ساعات
فن
تفاصيل وكواليس انطلاق "مهرجان الجونة السينمائي الدولي" قبل الافتتاح
منذ 10 ساعات
فن
رحمة أحمد تنتعش فنيًا .. فيلم مع ياسمين صبري وآخر مع أحمد مكي
منذ 18 ساعة
فن
تقرير يرصد انتهاك الملكية الفكرية لهوليوود عن طريق الذكاء الاصطناعى
منذ 18 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
46 هدفا في 9 مباريات .. ليلة تاريخية في دوري أبطال أوروبا
منذ 28 دقيقة
رياضة
بينهم عربي وأسطورة ريال مدريد .. 4 مرشحين لمنافسة إنفانتينو على رئاسة الفيفا
منذ 1 ساعة
رياضة
مفاجأة .. شقيقة محمد صلاح تتلقى عرضًا مثيرًا من طرابزون
منذ 1 ساعة
رياضة
13 ميدالية للأردن في البطولة العربية للدراجات في سوريا
منذ 2 ساعة
رياضة
ديمبلي: ربما أطلب إجازة إضافية بعد رباعية مانشستر سيتي
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
منوعات من العالم
بعمر 71 عامًا .. جدة تنافس على لقب ملكة جمال بريطانيا
منذ 47 دقيقة
منوعات من العالم
متحف اللوفر مهدد بالإغلاق .. ما السبب؟
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
"دكتور فود" خارج السجن بقرار قضائي .. ووالدته تحتفل
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
باقي 115 يوما .. موعد شهر رمضان 2027 وأول أيام عيد الفطر فلكيا
منذ 18 ساعة
منوعات من العالم
نهاية العالم على يد الذكاء الاصطناعي قد تكون مفيدة للبشرية!
منذ 19 ساعة
الرجاء الانتظار ...