إلى من علّمني معنى الفقد وصعوبته، واصف الجبعي، الفارس الذي ترجّل عن صهوته ولم تفارقه الابتسامة،
الوجع كبير يا أبي، يكبر كلّ لحظة كلّما تذكّرتُ أنّني عشتُ معكَ، فارسًا عظيمًا، ترجّلتَ عن صهوتك، لكنّك لم تفعل حقًّا، ففي البال، أنتَ هناك، ما زلتَ شامخًا، حاضرًا بحبك، بوجهك، بصوتك، بيدك وهي تمسك يدي في أوّل يوم لي في المدرسة. لم أنسَ أبدًا نصائحكَ التي حبيتني بها، بحضوركَ الذي تحلّقت ألسن الناس حوله، بهدوئك الذي طبع شخصيّةً لم أكتشف فروسيّتها حقّ الاكتشاف إلا وأنا أستمع لكلامِهم عنكَ.
كنتُ أعرف يا أبي قيمتك، أحفظ إرثك الذي خلفته في كلّ مطرح، أعي محبّتك في قلب أصدقائك وأقاربك وروّاد مسجد الحيّ الذي خدمته طوعًا، ولأكثر من اثنين وثلاثين عامًا، لكنّ المرء يحتاج مسافةً كي يفهم، ووجعي أنّ المسافة جاءت برحيلك، كي أدرك كلّ هذا.
منذ طفولتي، وأينما حطّت قدماي في مدرسة أو جامعة أو مؤسسة، في أيّ مناسبة اجتماعيّة، اعتدتُ أن أسمع: أنتَ ابن الأستاذ واصف الجبعي، ولعلّكَ لم تعرف بما يكفي كم كنتُ ولا أزال، أشعرُ بالفخرِ، لا بوصفي ابنك الأكبر فقط، ولا بملامحي التي تشبه تقاسيمك، بل بكَ أنت، بكلّ ما انطبع في ذهني من ذكريات، وآهٍ ما أكثرها، فخور بكَ وأنت فرِحٌ بي وبإخوتي وأبنائي، ب "واصف" ابني الذي حمّلته اسمك، برصيدكَ من المعرفة الذي نحّيتَه جانبًا عن حبٍّ، لتعطيني وإخوتي المساحة والثقة لنتحدّث، لنعلّق، ولنبدي ما يجول في الذهن، وليتَك تعرف الآن ما في الذهن يا أبتي، أنت العالم المربّي، والقارئ المُلمّ، والسياسيّ بديع التحليل، من شخّصَ المشكلة ووضع لها الحلول بحنكته، الشامخ، الصبور حتى في أعتى لحظات المرض، المتمسّك بالابتسامة في وجه الكُلِّ، من علّمني الآن، حتى في غيابه، كيف أجدد إيماني بالله وقدره، ومن جعلني أفهم من جديد أنّ هذه الدنيا ليست إلّا حياة مرورٍ لا مكوثٍ.
والدي الحبيب، أنتَ كُلّ هذا وأكثر.
آهٍ لو تسمع يا أبي ما قيل ويُقال في حقّك، علامَ بتّ أُصبح وأُمسي من طَيِّبِ الكلامِ، من الذكريات الناصعة نصاعة وجهكِ، من طلبتِك وجيرانك، من أصدقائك ورفاق المسجد، وما عزائي إلّان أنّني أعلم يقينًا أنك تعرف كلّ ما يُقال، كيف لا وأنت من زرعتَ هذا الإرثَ؟ كيفَ لا وأنتَ الفارس الذي ترجّل وهو يبتسمُ لقدرِ اللهِ، آبيًا أن يُغادر دون أن يوصيني بأمي وإخوتي وأبنائي، بالرزق الحلال، والتمسّك بالحقوق ولو بنواجذي.
أرجو يا أبتي ألّا تحكمني ملامحي وحدها شبهًا بكَ، بل أن أخرج بشيء من ذاك الإرث، بمحبّة أشبه بالمحبّة التي رأيتها في أعين الناس، وبكلمة تشهدُ لي مثلما ستظلّ تشهدُ لكَ طوال العمر.
في لحظتي هذه، لا أتمنّى إلّا أن أكون على قدر المسؤوليّة التي تركتني معها، أن أحمل اسمكَ وإرثَكَ، أن أحافظ على سمعتكَ، أن أتمكّن من الدعاءِ لك كما تستحقّ، وأن نقدر أنا وإخوتي من التصدّق لك، كما اسمك الذي جرى على ألسنة الناس، فصار ملكهم، تمامًا كما كان ملكك.
أبي الحبيب، الفقد صعب، ولا عزاء يعوّض حضورك، لكنّ عزائي فيك أنّك بتّ في مكانٍ أفضل، هناك عند الرحمن الرحيم، بعد أن ووريت الثرى كما شئت وأوصيت، إلى جانب والدك ووالدتك وأخيك وصفي.
فليتغمّدك الله برحمته، ويحشرك مع شهداء الأردنّ، وشهداء غزّة الأبرار، الذين ارتقوا إلى أعلى المراتب، بإذنه تعالى.
الدكتور محمد واصف
د. محمد واصف
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
شؤون فلسطينية
عائلة القنصل الفلسطيني في دبي محمد الأسعد تؤكد براءته وتدعو لعدم استباق نتائج التحقيق
منذ 3 أيام
02
الأردن اليوم
هل يواجه الأردن أزمة في المقابر؟ .. دعوات لحلول شرعية وتنظيمية مع تزايد امتلاء المدافن
منذ 6 أيام
03
04
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
المدير التنفيذي في البلديات .. عودة المركزية من الباب الخلفي
منذ 5 ساعات
كُتاب سرايا
الزغول يكتب: على مكتب دولة الرئيس .. ثلاث سنوات عجاف في وزارة الشباب الأردنية ،،،
منذ 13 ساعة
كُتاب سرايا
نصراوين يكتب: الدور الرقابي للنائب خارج مجلس النواب
منذ 17 ساعة
كُتاب سرايا
الزيود يكتب: مازن القاضي حين تكون العشيرة قيمة مضافة
منذ 18 ساعة
كُتاب سرايا
الخالدي يكتب: سلسلة “دينار واحد”
منذ 18 ساعة
أخبار فنية
فن
نادين الراسي ترد على وصفها بـ«العجوزة»
منذ 4 ساعات
فن
اعتراف صادم من النجمة التركية توبا بويوكستون عن جمالها
منذ 5 ساعات
فن
مصر .. حبس مديرة أعمال أنغام شهرًا في قضية إصابة شاب
منذ 7 ساعات
فن
من "غداً نلتقي" إلى ذاكرة أجيال .. رحيل المخرج السوري خالد الشماط
منذ 7 ساعات
فن
فنان تونسي يرتدي سترة (واقية من الرصاص) خلال حفل في ليبيا
منذ 8 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
3 صفقات "مليونية" تزلزل الدوري الليبي
منذ 5 ساعات
رياضة
بعد سخريته من ميسي .. تصريح نجم إنجلترا يفجر غضبا عارما في الأرجنتين
منذ 5 ساعات
رياضة
هالاند يفاجئ النرويجيين بحيوان "الراكون" بعد المشاركة في كأس العالم
منذ 6 ساعات
رياضة
الفحص الطبي يوقف انتقال لاعب إسرائيلي إلى إنتر ميلان
منذ 7 ساعات
رياضة
فرنسا وإسبانيا .. من يكسب موقعة نصف النهائي الأولى؟
منذ 8 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
ثغرة أمنية في خاصية «إخفاء بريدي الإلكتروني»
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
ليس بالكيلومترات .. لماذا تقيس الطائرات المسافات بالأميال البحرية؟
منذ 7 ساعات
منوعات من العالم
موجة حر شديدة تهدد 44 مليون أمريكي
منذ 7 ساعات
منوعات من العالم
"طفلي لا يحب الرياضة" .. كيف تدعم ابنك في بيئة تمجد القوة البدنية؟
منذ 11 ساعة
منوعات من العالم
لسبب غريب .. طالب صيني يوصي بـ20 مليون يوان لصديق طفولته
منذ 12 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات