الشهيد هزاع المجالي في ذكرى رحيله

منذ 2 سنة
6575
الشهيد هزاع المجالي في ذكرى رحيله
د . محمد فياض بني خالد

د . محمد فياض بني خالد

هزَّاع في معاجم العربية اسم علم عربي الأرومة والجذر ، بدوي المسمى ، جاء بصيغة المبالغة من الفعل هزَع ويعني أسرع ، وكسر . والهزّاع : الأسد ، لأنه يُكثر من كسر عظام فرائسه .

 


ولد هزاع بركات المجالي قبيل بزوغ فجر الإمارة الأردنية بثلاث او أربع سنين على أبعد تقدير ، أرسل والده والدته وهي حامل به إلى مضارب أخواله الونديين بجهات ماعين بعد أن انخرط والده في جيش ثورة العرب الكبرى ، ليأمن عليه من بطش السلطات التركية التي اتخذت من الكرك معقلاً لها ، ليعيش في كنف جده وجدته لأمه التي بكاها حفيدها الصغير بكاءً مراً عند وفاتها وهو في العاشرة من عمره ، فكفله خاله وزوجته بعد ذلك .

 


أتم في طفولته قراءة القرآن الكريم ، وحفظ المعلقات السبع ، وهو ما يزال ما بين سن الخامسة والعاشرة .
كان هزاع في هذه السن المبكرة يتوق إلى رعى البُهم مع جده لأمه كلما ألمت بالراعي وعكة صحية تقعده عن الرعي . وكان الرعي عنده من أبهج محطات حياته .

 


عاد هزاع من عند أخواله إلى مرابع الأهل في الكرك كرهاً ، على غير رغبة منه في سن الحادية عشرة ، ليدرس في مدرسة القرية ، فدرس الصف الأول ثم رُقي بعد شهرين للصف الثاني لفطنته وتفوقه على أقرانه ، وبعد أن رقُي للصف الثالث الأساسي انتقل إلى مدرسة الكرك الثانوية ، ليتلقى التعليم فيها على أيدي عدد من المعلمين منهم فوزي الملقي وسليمان النابلسي ، فعمل بعد أن امتد به العمر في حكومة الملقي وزيراً للداخلية ، وقبلها مع النابلسي في وزارة السيد سمير الرفاعي.

 


التحق هزاع بمدرسة السلط الثانوية ، ليعمل بعد ذلك في دائرة الأراضي والمساحة موظفاً ، وفي محكمة مأدبا كاتباً .

ثم بكلية الحقوق في جامعة دمشق طالباً ، وموظفاً في التشريفات الملكية في عهد الملك المؤسس عام ١٩٤٧ .


كان هزاع وطنياً غيوراً ، نادى مع ضربائه من أبناء الوطن إلى إقصاء الموظفين غير الأردنيين المعارين من -سوريا ولبنان وفلسطين ‐- من المواقع الهامة في الدولة ، إذ حاول معظم هؤلاء الوقوف سداً يحول دون وصول الأردنيين إلى هذه المناصب ، ولسان حال الأردنيين كما قال هزاع قول عرار :
زيتون برما سيبقى داشراً لكل مرتزق أفاك يجنيه
تقلد هزاع المجالي مواقع هامة في الدولة ، فأصبح لبلدية عمّان رئيساً ، ثم وزيراً للزراعة ، وللعدل وزيراً . وفي عهد الحسين طيب الله ثراه شكل حكومته الأولى عام ١٩٥٥م ، ثم وزيراً في البلاط الملكي عام ١٩٥٨م ، فرئيساً للوزراء تارة أخرى عام ١٩٥٩ ، اختار في وزارته هذه رفيق دربه ودراسته السيد وصفي التل مديراً للتوجيه الوطني عوناً له وسنداً ، ليسهم معه في تطوير الإعلام .


وفي الذود عن حياض فلسطين إبان حرب ١٩٤٨ ، تولى هزاع بنفسه مرات عديدة وبتوجيهات من الملك المؤسس نقل السلاح والعتاد من مخازن الجيش الأردني لأحمد حلمي في القدس تارة ، وإلى صبحي الخضرا وحسن سلامة في يافا تارة أخرى . وكان يلحظ أن تلك النجدات من الأسلحة الخفيفة ، تقع في نفوس الأهل في فلسطين موقع الماء من الأكباد العطشى .


كان هزاع رئيس وزراء غير مسبوق في تاريخ الحكومات الأردنية ، اتصفت شخصيته بالقوة والرزانة والاتزان ، وحسن الرأي والروية . مهني في عمله ، لا يحابي أحداً على حساب الوطن وقيادته ، صريحاً عندما يتحدث عن سيرته وطفولته الأولى . نقل لنا في مذكراته شهادته على عصره الثر بمجرياته الجسام .


تلك هي شطر من مناقب الفقيد الوطنية والقومية خطها نقشاً على جدار الوطن ، حتى سقط شهيداً بانفجارٍ في مبنى رئاسة الوزراء على أيدي أنصار التيار الناصري ، في التاسع والعشرين من آب عام ١٩٦٠ ، في الوقت الذي كان يجتمع فيه كعادته كل يوم إثنين بالمواطنين يستمع لمطالبهم .


غادرنا هزاع وهو في قمة صعوده ، وذروة عطائه ، قوي الشكيمة ، نبتة أردنية برية عصية على الجز والتقليم ، ليتسنم ذرى المجد شهيداً ورمزاً وطنياً . ولم يدرك اولئك القتلة أنهم بجريمتهم هذه قد خلدوا اسمه ورفعوا ذكره في ووجدان الأردنيين ، ليبقى دوماً الحاضر في أهداب الوطن ، الحيّ في نبضات قلوبنا . قضى نحبه شهيداً ، لا كما يموت البعير ، فلا نامت أعين الجبناء..

 

بقلم : د . محمد فياض بني خالد
قسم التاريخ/ جامعة جدارا

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم