د. زياد جلال الحنفي يكتب: حين تُدار المدارس بعقلية التوفير… يُدفع الثمن من مستقبل الأجيال

منذ 1 ساعة
5056
د. زياد جلال الحنفي يكتب: حين تُدار المدارس بعقلية التوفير… يُدفع الثمن من مستقبل الأجيال
د. زياد جلال الحنفي

د. زياد جلال الحنفي

في السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة مقلقة في بعض المؤسسات التعليمية، تتمثل في التوجّه نحو تعيين كوادر تعليمية وإدارية أقل كفاءة، بدافع تقليل الكلف التشغيلية وتحقيق وفورات مالية سريعة. قد يبدو هذا القرار من منظور إداري ضيق إجراءً عقلانياً، لكنه في الواقع يمثل مقامرة خطيرة بمستقبل العملية التعليمية، بل وبمستقبل المجتمع بأكمله.


التعليم ليس سلعة تُقاس بمعادلة الربح والخسارة فقط، بل هو استثمار طويل الأمد في الإنسان. وعندما تختار المؤسسة التعليمية تقليص النفقات على حساب جودة الكادر، فإنها تُضعف أهم ركيزة في منظومة التعليم: المعلم والإداري المؤهل. فالمعلم ليس ناقلاً للمعلومة فحسب، بل هو صانع وعي، ومهندس شخصية، ومؤسس لقاعدة معرفية تمتد آثارها لسنوات طويلة.


إن ضعف الكوادر التعليمية ينعكس مباشرة على مخرجات التعليم. الطالب الذي يتلقى تعليماً على يد معلم غير مؤهل، أو في بيئة إدارية ضعيفة التنظيم، غالباً ما يفتقد للمهارات الأساسية في القراءة والكتابة والتحليل. وهذه الفجوة لا تظهر فوراً، بل تتراكم بصمت حتى تصبح أزمة حقيقية في المراحل المتقدمة، حيث يصبح من الصعب إن لم يكن من المستحيل معالجة الخلل في التأسيس.


ولا يقل الدور الإداري أهمية عن الدور التعليمي. فالإدارة المدرسية الفاعلة هي التي تخلق بيئة تعليمية محفزة، وتتابع الأداء، وتدعم المعلم، وتضبط الإيقاع العام للمؤسسة. أما حين تكون الإدارة ضعيفة أو غير مؤهلة، فإن الفوضى التنظيمية تتسلل إلى تفاصيل العمل اليومي، فتتراجع الجودة، ويغيب التقييم الحقيقي، وتُدار المؤسسة بردود الأفعال لا وفق خطط استراتيجية.


المفارقة أن سياسة “خفض الكلف” هذه قد تؤدي في النهاية إلى كلف أعلى بكثير. فضعف المخرجات التعليمية يعني تخريج أجيال غير مهيأة لسوق العمل، ما ينعكس على الاقتصاد الوطني، ويزيد من معدلات البطالة، ويضع عبئاً إضافياً على مؤسسات التعليم العالي التي تضطر لإعادة تأهيل الطلبة. وهنا تتحول الوفورات قصيرة الأمد إلى خسائر استراتيجية بعيدة المدى.


إن إصلاح هذا الخلل يتطلب إعادة تعريف الأولويات داخل المؤسسات التعليمية. فبدلاً من النظر إلى الكادر كعبء مالي، يجب اعتباره أصلًا استثماريًا لا غنى عنه. الاستثمار في تدريب المعلمين، واستقطاب الكفاءات، وتحسين بيئة العمل، كلها عوامل تسهم في رفع جودة التعليم، وتعزز من سمعة المؤسسة، وتحقق لها استدامة حقيقية.


كما أن الجهات الرقابية مطالبة بتشديد معايير الاعتماد والمتابعة، لضمان عدم تحول التعليم إلى مجال للمنافسة السعرية على حساب الجودة. فالمجتمع بأسره هو المتضرر من أي تراجع في مستوى التعليم، وليس فقط الطالب أو ولي الأمر.


في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نريد مؤسسات تعليمية منخفضة الكلفة أم مجتمعات عالية الكفاءة؟


الإجابة تبدو بديهية، لكن ترجمتها على أرض الواقع هي التحدي الحقيقي. فالتعليم الجيد ليس خياراً ترفياً، بل ضرورة وجودية لأي أمة تطمح إلى مستقبل أفضل.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم