يحدث في بعض المؤسسات التعليمية أحيانا، أن المسؤول " الكبير " وأعوانه، يعقدون بينهم "حلف الظلم"، فتتوحد جهودهم، وتتكامل نقائصهم، لتسند مصالحهم الخاصة، ويتحكمون في مفاصل المؤسسة، وتصبح قراراتهم سيوفا مسلطة على رقاب المرؤوسين الذين يمثّلون صورة مصغّرة لشخصيات المجتمع، ويتصرفون هنا كما هو حال الناس هناك:
غالبية سلبية صامتة يغلب عليها الجبن والموادعة والمهادنة، والرضا بما يُقذف إليها من فتات الحقوق مجبولا بالهوان والمَنّ.
وفرقة رخيصة النفوس، معروضة في السوق للبيع والشراء، تتقافز نحو المسؤولين تودّدا مصطنعا، وتذلّلا مقيتا، ومداهنة بغيضة.
بينما تؤمن قلة بأن هذا الحال المائل لا بدّ من مواجهته، والإشارة إليه، والتنديد به، والثورة عليه، والاستعداد المسبق لدفع ضريبة موقفها هذا مهما غلا الثمن، لأن المؤسسة تستحق التضحية من أجلها، فهي جزء من المجتمع، وقطعة من الوطن.
وتبدأ المنازلة غير المتعادلة: قوة ظالمة باطشة متكافلة، غابت ضمائرها، وهاجرت أخلاقها، بيدها السطوة والنفوذ والقرار و"الهيلمان" الإعلامي، وفئة مستضعفة لا سلاح لها سوى ثقتها بنفسها وحقها، وقبل ذلك إيمانها بعدل ربها الذي لا يغيب......
تجتاحها الخسائر الوظيفية والمعنوية والمادية والشخصية، وتُفصل من عملها أو تكاد، لكنها تصمد دون تردّد، إلى أن يأتي أمر الله الذي لا رادّ له، فيقيِّض لها ظروفا مناسبة، وأصحاب قرار شرفاء، يسدلون الستار على الظلم وأهله، ويفتحون نوافذ الفجر الصادق للعدل والأمل.
ــ وهنا "فجأة" تنفك حبسة ألسنة الصامتين، وينطلقون يجأرون بالشكوى والتذمر والأنين، وتتناسل أقلام الكتابة عن العهد البائد ومظالمه ومصائبه، ويرتدي بعضهم رداء الفداء والعمل السرّي، فيرفع عقيرته زاعما أنه كان المعول الأساسي في التغيير، وأنه مكث طويلا تحت الأرض عميقا، دائبا على التحفير للإطاحة بالظالم.
وبعضهم يفاجئك عندما يصرّح بأنه كان حريصا على القرب المقصود من المسؤولين السابقين ليجمع الأخبار والأدلة ليقوم بنقلها إلى المعنيين للإيقاع بهم والنيل منهم......إلخ
وهكذا يتمثل لنا جليّا مقام القائل :
وكلٌّ يدّعي وصلا بليلى وليلي لا تُقرُّ لهم بذاكا
إذا اشتبكت دموعٌ في خدودٍ تبيّن مَن بكى ممّن تباكى
ــ وبعضهم كان لصيقا بهؤلاء المسؤولين، يغضّون الطرف عن خطاياه المشينة، نهش كلّ ما لا يستحقه من مآدب مكارمهم، وظل يواصل زعيقه المزعج في الدفاع الباطل عنهم، ويحرّضهم على صاحب كل رأي يعارضهم، أو كاتب يعرّيهم، أو مظلوم يطالب بحقه ويشكو ظلمهم، ويطالبهم بملاحقة هؤلاء المظلومين إداريا وقضائيا لإخراس ألسنتهم!! وتكسير أقلامهم!! وإخماد أصواتهم!! ومحاصرتهم في المواقع الإخبارية لتمتنع عن النشر لهم، فلا يبقى أمامهم إلا مواقع قليلة شريفة لإظهار الحقيقة المخيفة.
وفجأة "أيضا" يتحول هذا المحرّض إلى رسول للسلام، يدعو إلى الصبر والتحمل، ونشر المحبة والوئام، والحرص على مصلحة المؤسسة التي يرتع هو وأمثاله فيها : مناصب ومكاسب وشهرة مدّعاة غير مستحقة.
ــ لكن الذي يفاجئنا إلى درجة الصدمة، هو ظهور وثائق ــ إن صحّت ــ فيها مخالفات مالية جائحة، تصوّر المؤسسة قصعة ملقاة في القاع، تتكالب عليها الضباع، وتتناهشها الجوارح الذميمة المفجوعة أسيرة الجشع والنهم والجوع المرضيّ للمال الحرام، تمصّ الدماء، وتخرج علينا بأشداق منتفخة، وبسمات سمجة صفراء، تتحدث عن الالتزام الحذافيري!! بالقوانين والأنظمة والتعليمات، وتحثّنا على الفزعة للتبرّع، وتصكّ أسماعنا بتصريحاتها الزائفة عن الوفاء والانتماء!!
إنّ كل من يكشف أية مخالفة إدارية أو مالية صادقة يستحق منا جميعا كل الشكر، لكنه شكر مصحوب بعتب وسؤال حارّ : آلآن وقد سكتَّ من قبل؟؟!!
لمَ لا نكون جميعا حريصين كل الحرص على مؤسساتنا، فلا نقترف مخالفة صغرت أم كبرت، ولا نقبل بمخالفة، ولا نسكت على مخالفة، ويكون شعارنا مصلحة المؤسسة أولا، ثم تتبعها مصلحتنا بالضرورة، ومثال أهل السفينة ينبغي أن يظل حاضرا فينا، لا يغيب مطلقا عن أذهاننا؟؟؟
لمَ نترك الخطأ يمتدّ، والخطر يتمدّد، والمخالفات تزداد وتتعدّد، والمؤسسة تتهالك وتكاد تتهاوى تحت سمعنا وأبصارنا، وننتظر معجزة غيبية تنقذها وتنقذنا، وعند ذلك فقط تنطلق ألسنتنا من معاقلها، وأقلامنا من المحابر، لنقف على الأطلال الخربة نبكي ونستبكي، ونندب حظّنا العاثر؟؟؟!!
ألسنا بذلك نخالف قرآننا الكريم "كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون"؟ وأحاديث نبينا العظيم حول مواجهة المنكر؟ وعيون التراث بشأن شيطنة الساكت عن الحق ؟ ونجافي سِيَر أعلام العلماء النبلاء الأتقياء الذين واجهوا الظلم ثابتي الجنِان، لا يخشون في الله لومة لائم؟ ما الذي سنعلّمه لطلابنا ــ وأساس العلم كله يقوم على الحقيقة ــ إنْ كنا نحن نعاني من عدم الثبات على الحق والمبادئ، ويغلبنا التأرجح واللجلجة، ويغلب على بوصلتنا التراقص والذبذبة؟؟ فكيف نقنعهم، ونكون مثالا حيّا يُحتذى لهم؟
ــ لا بدّ من التروي وإعادة النظر، والتزام الحق فيما نقول ونفعل، فالأمر جلل، وهو جِدٌّ لا مكان فيه للهزل، لأن التعليم السليم إنْ يتهاوَ في أمة، فاقرأْ عليها سلام القبور دون رحمة....
د. حفظي اشتية
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
الأردن اليوم
لمن يعرفهم .. مبالغ لعشرات الأردنيين ستؤول ملكيتها إلى خزينة الدولة - (أسماء)
منذ 3 أيام
02
03
04
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
نادية سعدالدين تكتب: هل تنجح ألاعيب نتنياهو للبقاء؟
منذ 32 دقيقة
كُتاب سرايا
يعقوب ناصر الدين يكتب: خطة منهجية في مواجهة التطرف والإرهاب
منذ 32 دقيقة
كُتاب سرايا
ماهر أبو طير يكتب: الأقصى ليس عقاراً فلسطينياً
منذ 34 دقيقة
كُتاب سرايا
فهد الخيطان يكتب: اختراق يهدد النموذج الأردني
منذ 34 دقيقة
كُتاب سرايا
الدكتور ليث عبدالله القهيوي يكتب: من يملك مفاتيح الاقتصاد في عالم يعيد رسم نفوذه؟
منذ 59 دقيقة
أخبار فنية
فن
الجمهور يختار درة أفضل ممثلة بالوطن العربي بسبب "ميادة الديناري"
منذ 9 دقائق
فن
محمد فؤاد: قلّدت رامز جلال في برامج المقالب بسبب ضائقتي المالية
منذ 1 ساعة
فن
آثار الحكيم تظهر بعد 15 سنة من الاعتزال .. متنكرة وسط الجمهور
منذ 10 ساعات
فن
رصاصة "طائشة" تصيب المخرج الأمريكي مايكل مان
منذ 12 ساعة
فن
نادر نور يخضع لجراحة دقيقة فى الحنجرة .. القصة الكاملة لمنعه من الكلام
منذ 13 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
تشواميني يُبكي طفلًا ثم يُرضيه بقميصه
منذ 14 دقيقة
رياضة
مصر .. مقتل لاعب كرة قدم سابق طعناً أمام منزله
منذ 29 دقيقة
رياضة
100 فوز في 131 مباراة .. فليك يكتب اسمه بين أساطير برشلونة
منذ 1 ساعة
رياضة
بالفيديو .. يوفنتوس يسقط نابولي في الدوري الإيطالي
منذ 1 ساعة
رياضة
بينيت يعلن دعم تكليف آيزنكوت بتشكيل الحكومة الإسرائيلية
منذ 8 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
ملابس الذهاب لتسوق البقالة تتصدر الترند .. وتفجر جدلا
منذ 3 دقائق
منوعات من العالم
نزهة على الشاطئ تقود سائحين إلى اكتشاف زاحف بحري عمره 174 مليون عام
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
ضيوف غير مدعوين .. دب وشبلاه يفاجئون عروسين وسط الجبال
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
طولها يتجاوز 23 مترًا .. أكبر شاحنة طعام في العالم تدخل موسوعة جينيس
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
لا أطفال ولا حيوانات أليفة .. شباب الصين يتجهون إلى تربية الطوب والطحالب
منذ 1 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات