كُتاب سرايا 10-01-2022 08:57 AM

تحديث القطاع العام

منذ 4 سنوات
4633
تحديث القطاع العام
فواز البلبيسي

فواز البلبيسي

تابعنا مؤخرا في وسائل الاعلام اعلان الحكومة تشكيل لجنة لتحديث القطاع العام . و الواقع ان الدولة الأردنية بمختلف مكوناتها أخذت هذا الموضوع على محمل الجد منذ فاجعة مستشفى السلط الحكومي، و الذي اعتبر دليلا دامغا على تراجع الأداء الحكومي و الترهل في بعض المؤسسات و غياب الرقابة و المحاسبة.
التحرك الحكومي بإصلاح القطاع العام جريء و يحسب لهذه الحكومة، فالغريب في الأمر أنه رغم الضغط الشعبي و المطلب الجماهيري بإصلاح القطاع العام إلا أن هذا الملف حساس و قد يعرض الحكومة للنقد كونه يتطلب قرارات صعبة و غير شعبية خاصة للفئات المتضررة أو من يريد إصلاحاً على قياسه وبما يحقق مصالحه ، خاصة اذا صدقت الفرضية التي تعتبر أن الكثير من النشطاء والمعلقين عبر وسائل التواصل الاجتماعي و الصحف الإلكترونية الذين باتوا مؤثرين في الرأي العام هم من موظفي القطاع العام ،الذين يقضون ساعات بمتابعة وسائل التواصل الاجتماعي والتعليق على مجريات الحياه السياسية و الاقتصادية والاجتماعية بدل العمل ، فاذا ما تعرضت هذه الفئة للمحاسبة والرقابة ، فإنها ستصب جام غضبها على الحكومة و تحاول تقويض جهود الإصلاح ، على الأقل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
الا ان التحرك الحكومي الان مبرر ومفهوم بالرغم من كلفته السياسية ، فقد أصبحت العيوب كبيره ومرئيه للقاصي والداني وعبئها كبير سواء على الموازنة او على الاقتصاد ككل ،اضافه طبعا الى عبئها على المواطن نفسه متلقي الخدمة و عبئها على الحكومة ، فالإخفاقات الإدارية و الخدمية لها ثمن سياسي و تؤدي لتأكل الثقة بين المواطن و الحكومة .
و بتشخيص مبسط للجهاز الحكومي تظهر لنا مظاهر الضعف الرئيسية و التي لا بد من التعامل معها : اولاً ثقافة الوظيفة العامة الراسخة و أثرها في البطالة ، فقد ثبت دولياً أن الدول التي يشتغل الشريحة الأكبر من قوتها العاملة في القطاع العام لديها النسب الأعلى من البطالة و تراجع في ريادة الأعمال و بالتالي تراجع معدل الدخل . ثانياً ، الكلفة المرتفعة للرواتب و التقاعد في القطاع العام التي تسببت بخنق الاقتصاد و محو الحيز المالي مما حد من القدرة على الاستثمار و القدرة على مواجهة الأزمات. ثالثاً ، تراجع الأداء الحكومي و عدم قدرته على مواكبة الطلب المتزايد على الخدمات و البنية التحتية أو الممارسات الأفضل عالمياً ، حيث بات الترهل في الجهاز الحكومي عائقاً امام الاستثمار و التنمية الاقتصادية و الاجتماعية إضافة الى إحراز تقدم في المجالات الصحية و الثقافية و التعليمية.
اما عن التدابير و التدخلات المطلوبة لإصلاح القطاع العام ، فهي عديدة و لكن قد يكون من أهمها التالي : أولاً ، مأسسة و اعتماد مبدأ الثواب و العقاب و تفعيل مواد نظام الخدمة المدنية و التشريعات الأخرى ذات العلاقة بشكل شامل لمعاقبة التقصير و الإهمال و المخالفات الإدارية و الفنية . ثانياً إدخال مفهوم التقييم الشامل للأداء أو ما يسمى تقييم 360 درجة و الذي يتيح لجميع المتعاملين مع الموظف سواء رئيسه أو مرؤوسه أو زملاؤه أو متلقي الخدمة من تقييم أدائه و ربط كافة المكافأت و الحوافز والترفيعات بنتائج تقييم الأداء بدلاً عن نظام المكافأت و العلاوات التلقائي المعمول به. ثالثاً ، تحديد المسمى الوظيفي و المهام لكل موظف عام و مسؤول و تحديد مؤشرات لتقييم الأداء لكل مسمى وظيفي و ذلك لوضوح عملية التقييم و المراجعة بعيداً عن العوامل الشخصية . رابعاً ، تدريب القيادات و الكوادر بشكل دوري و مكثف و ربط الترفيعات و تقدم المسار الوظيفي باجتياز الدورات و امتحانات الكفاءة الدورية. خامساً ، تعيين ذوي الكفاءة و المجتهدين فقط عن طريق تعديل نظام الخدمة المدنية لاستبدال نظام الدور التلقائي المعمول به في ديوان الخدمة المدنية بألية منصفة لإعطاء أولوية التعيين للأوائل و المتفوقين و أصحاب المهارات و من خلال لجان متخصصة محايدة بعيداً عن الواسطة و المحسوبية . سادساً ، ترسيخ أخلاقيات العمل و الالتزام و الفخر بالإنجاز من خلال التدريب و التوجيه و الحوافز و مكافحة ثقافة التسيب و التحايل على اللوائح والتعليمات و الأوامر الوظيفية . سابعاً ، أتمتة الإجراءات و الخدمات الحكومية و أنظمة الدفع مما يحد من الفساد الإداري و المالي و يزيد الكفاءة و يخفض الكلف . ثامناً ، التأسيس لهيئة أو جهة رقابية مستقلة تنظر في الأداء الإداري لأجهزة و مؤسسات الحكومة ، فديوان المحاسبة في الأردن معني بالأموال العامة و الإيرادات و النفقات الحكومية فقط دون النظر في الأداء والإجراءات الإدارية ، مما يستلزم وجود جهة رقابية عليا للكشف عن المخالفات الإدارية و الفنية لموظفي الحكومة و ضبط عيوب النظم الإدارية في الدولة و تحري أسباب القصور في العمل .
أخيراً لا أدري إذا كان الأداء المتردي محصوراً بالقطاع العام ، أم أنه انعكاس لحالة عامة أصابت المجتمع ، فلا القطاع الخاص و لا الجامعات أو حتى المؤسسات الأهلية و النوادي و غيرها باتت محصنة من هذه النزعة ، فالأداء المتوسط و غياب التميز أو ما يسمى بالانجليزية (Mediocre) أصبح سمة منتشرة ، و بعد أن كان الأردن في طليعة دول المنطقة في بنيته التحتية وخدماته و مؤسساته أو حتى مستوى مخرجاته التعليمية و الثقافية و الرياضية ، تقدم عنا الكثيرون الان و تراجع ترتيبنا بين أقراننا. فلا بد أذن من وقفة جادة و مراجعة صريحة لهذا الاتجاه في مجتمعنا و الوقوف عند عوامله و أسبابه .


فواز البلبيسي
كبير مستشارين المدير التنفيذي
مجموعة البنك الدولي

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم