شعورٌ بالتأثر والحزن انتابني وأنا أتصفح عدد اليوم من جريدة "الرأي"، عشرون صفحة فقط نصفها إعلانات معظمها لجهات حكومية أو شبه حكومية، هي كل ما تضمنه العدد، ما الذي جرى لصحيفة الأردن الأولى والتي كانت قبل سنوات خلت ملء السمع والبصر حاضرة في كل مكان، معلم بارز من معالم الوطن، كالبتراء ومهرجان جرش والجامع الحسيني، لا تستطيع أن تغطي كامل صفحاتها والتي كثيراً ما تجاوزت المائة صفحة في جلسة واحدة، وها هي اليوم تقلص عدد صفحاتها، وتُسَرِحُ موظفيها وتتواري من الدائنيين الذين يلاحقونها في ردهات المحاكم ويحجزون على مبانيها ومعداتها، أقول لقد تأثرت وحزنت فالرأي بالنسبة لي حبل متصل يربطني بأيام جميلة خلت، ورفيقة مخلصة لم تفارقني منذ سنوات طوال، فقد عاصرت مولدها أوائل السبعينات من القرن الماضي في فترة بالغة الحساسية من عمر الوطن، كنت وقتها في أوائل المرحلة الإعدادية، وشيئاً فشيئاً جذبتني الصحيفة الجديدة، وتوطدت العلاقة بيننا حتى غدوت في المرحلة الثانوية مواظباً على متابعتها واقتناءها اعمل جهدي على توفير ثمنها البالغ عشرين فلساً حتى لا يفوتني عدد منها.
جاءت انطلاقة "الرأي" في وقت كانت صحف عربية عملاقة تتصدر المشهد الصحفي كالأهرام القاهرية والأنوار والنهار اللبنانيتان، ومحلياً كانت هناك الدستور والدفاع وعمان المساء ... وغيرها، بيد أن ازدحام السوق وصعوبة المنافسة لم يمنعا الصحيفة الناشئة من حجز مكان ملائم لها بين القراء، بحيث غدت وخلال بضع سنين الصحيفة الأولى في الأردن ومن الصحف التي يشار إلبها بالبنان عربياً، استقطبت غالبية قراء الصحف ومتابعيها وقبل ذلك استقطبت خيرة الكُتّاب والصحفيين، فحققت معدلات انتشار واسعة جعلتها قبلة المعلنين من أصحاب الأعمال والتجار والباحثين عن العمل، حتى إعلانات النعي لم تكن لتصل إلى فئاتها المستهدفة ما لم تنشر في جريدة الرأي ....
بدأت قصة ولادة "الرأي" عندما قرر سليم الشريف بعد حرب عام 1967 نقل صحيفة الجھاد التي كان يملكها وكانت تصدر في القدس إلى مدينة عمان، حيث قام بشراء قطعة أرض وإنشاء مبنى عليها، ثم قام بنقلَ معدات وماكينات الطباعة واستكمل كافة التجهيزات اللازمة على مدى عامين اثنين تمهيداً للمباشرة بالعمل، إلا أن ذلك لم يحصل بسبب وفاته بحادث نتيجة الفوضى الأمنية التي كانت سائدة في البلاد في ذلك الوقت، مما أدى إلى توقف المشروعً، فقام رئيس الوزراء في حينه الشهيد وصفي التل الذي كان متابعاً لخطوات المشروع منذ البداية بإصدار الصحيفة تحت اسم "الرأي" لتقوم بحمل رسالة الأردن السیاسیة ونشرها محلياً وعربياً، بعد أن قام بتسديد كافة الإلتزامات المالية التي ترتبت على ذلك، والتعاقد مع خيرة الكوادر الفنية والصحفية اللازمة.
لقد بدأت الرأي مشروعاً حكومياً خالصاً ثم أضحت في مرحلة لاحقة مملوكة بالكامل للقطاع الخاص بقيادة القمم الثلاثة محمود الكايد وجمعه حماد ورجا العيسى، ولتبلغ ذرى النجاح كصحيفة تحمل هم الوطن ورسالته، وتختزن بين أسطرها وفي صفحاتها ذاكرة الأردن وأرشيفه، وكمشروع تجاري مربح ينمو ويتوسع كل يوم، جذب أنظار المهتمين والمستثمرين، وعلى رأسهم المؤسسة العامة للضمان الإجتماعي، التي سارعت إلى الإستحواذ على أكثر من نصف أسهم الصحيفة التي غدت شركة مساهمة عامة، ولتبدأ من ذلك الحين مرحلة جديدة من مراحل حياة هذه الصحيفة.
لقد ولدت "الرأي" وكبرت وترعرت كصحيفة وطن، ولعل هذا واحد من أهم العوامل التي أدت إلى نجاحها واستمرارها، إلا أن "هيمنة" الضمان الاجتماعي عليها قد نتج عنه إعادة تموضع تدريجي لتصبح الصحيفة واحدة من وسائل إعلام الحكومة، ليس هذا فقط، فقد انعكست طبيعة "المالك" الجديد كمؤسسة حكومية، بشكل أو بآخر ، على أسلوب إدارة الصحيفة كمشروع استثماري تجاري، ولهذا تبعات ومفاعيل يعلمها الجميع.
تقتضي الموضوعية عدم تحميل سيطرة الحكومة على الصحيفة كامل مسؤولية التدهور والتراجع الذي حصل، فهناك عوامل رئيسية أخرى أهمها انتشار "الرقمنة" التي أدت إلى تراجع الصحافة الورقية في كل مكان، والتي فرضت على إدارات الصحف أن تتكيف مع هذه المتغيرات من خلال مقاربات وحلول غير تقليدية، ومن خلال مخرجات جديدة تجذب القراء والمعلنين على حد سواء.
إن القيام المتكرر بتغيير الإدارات الذي لجأت إليه الحكومة قد لا يكون فيه الخلاص من مشاكل الصحيفة وأزماتها، مع احترامنا الشديد لزميلنا القديم في وزارة التخطيط والتعاون الدولي، معالي د. ماهر مدادحة الذي تولى رئاسة مجلس ادارتها مؤخراً، وهو خبير مالي وإداري متميز. فالمصاعب والأزمات قد استفحلت وهي بذلك تتطلب حلولاً من نوع آخر تماماً، لعل أحدها العودة بالصحيفة إلى القطاع الخاص مجدداً.
المهندس عادل بصبوص
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
منوعات من العالم
فضيحة هزت العراق .. مدير المشاريع النفطية يبكي على الهواء بسبب فيديو مسرب .. شاهد
منذ 6 أيام
03
الأردن اليوم
بالفيديو .. تصريحات صادمة: أبو ليلى اشتكى من مدرب الحراس وخشي الحديث عن الأمر خوفاً من الاستبعاد
منذ 6 أيام
04
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
الشيخ خالد الحراحشة يكتب: في عيد ميلاد الأمل - سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني
منذ 2 يوم
كُتاب سرايا
نور الدويري تكتب: مهلة الـ60 يوماً: حين يصبح التاريخ فخاً في مضيق هرمز
منذ 2 يوم
كُتاب سرايا
الحباشنة يكتب: وقف الحجز على الرواتب… خطوة إيجابية تستحق الاستكمال
منذ 2 يوم
كُتاب سرايا
د.مارسيل جوينات تكتب: الأمير الحسين بن عبدالله الثاني .. ميلاد قائد ورؤية وطن
منذ 2 يوم
كُتاب سرايا
م. صلاح طه عبيدات يكتب: الأردن بين ثروة الأرض وحكمة الإدارة
منذ 2 يوم
أخبار فنية
فن
للمرة الأولى .. "لن أعيش في جلباب أبي" يُبث عبر الإذاعة المصرية
منذ 1 ساعة
فن
"انتهك حرمتها" .. أحفاد أم كلثوم يقاضون كاتبًا مصريًا
منذ 4 ساعات
فن
وليد توفيق يكشف تفاصيل عودته الغنائية
منذ 4 ساعات
فن
أنجلينا جولي: لم أرتبط عاطفيا منذ انفصالي عن براد بيت
منذ 11 ساعة
فن
اللون الأزرق يحسم الأمر .. الدكتورة يومي تعلن جنس جنينها
منذ 12 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
مبابي: فليسجل ميسي بقدر ما يريد .. أريد الكأس
منذ 1 دقيقة
رياضة
رحيل فوري .. أول 7 ضحايا لكأس العالم 2026
منذ 1 ساعة
رياضة
مشجعو المكسيك والإكوادور ينحون السياسة جانبا ويبقون على التنافس الودي بكأس العالم
منذ 1 ساعة
رياضة
توخل يرفض خفض سقف التوقعات لإنكلترا في كأس العالم
منذ 1 ساعة
رياضة
منتخب مصر يكثف تدريباته استعدادًا لأستراليا
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
منوعات من العالم
باكستان .. مقتل 14 طفلًا جراء انهيار سقف مركز للدعم المدرسي
منذ 16 دقيقة
منوعات من العالم
لردّ الجميل .. كيت ميدلتون تتحدى الأورام بتسلق أعلى ثلاث قمم بريطانية
منذ 36 دقيقة
منوعات من العالم
أحفورة منسية داخل درج تقود العلماء إلى اكتشاف عمره ملايين السنين
منذ 41 دقيقة
منوعات من العالم
تعرفهم أكثر من أحفادها .. تركية ترعى الماعز منذ 90 عامًا
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
صورة هتلر في طفولته تشعل أزمة داخل مدرسة أمريكية
منذ 1 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات