أثار الصخب الذي أعقب "موقعة الفيزياء" في امتحان الثانوية العامة، والأصوات العالية التي صبت جام غضبها على وزير التربية والتعليم وطالبت بمحاسبة المسؤولين عن تلك "المجزرة" بمن فيهم الوزير نفسه، شجوناً وذكريات ارتبطت بامتحان التوجيهي الذي قدمته وأبناء جيلي قبل ما يزيد عن أربعة عقود ونصف العقد، عندما كان ذلك الامتحان مهاباً صارماً ومقدساً، ينتظره الطلاب وأهاليهم بفارغ الصبر ليس كجسر وقنطرة عبور إلى الجامعة وحسب، وانما كتتويج لمرحلة تعليمية مهمة، قد تفضي مباشرة الى الوظيفة وسوق العمل، فكثير من الخريجين والخريجات كانوا بعد اجتيازه ينتقلون من مقعد الدراسة إلى غرف المعلمين مدرسين ومدرسات، وكم من طالبة توجهت إلى السعودية بعد اجتيازها الامتحان مصطحبة أباها أو أخاها مَحْرَماً لتعمل مُدَرِسَةً ولتحقق نقلة نوعية في حياة أسرتها، يومها لم يكن موسم التنزيلات بل التنازلات التي تمس مكانة التوجيهي وهيبته قد بدأ بعد، أمتحان يقدم مرة واحدة ومن يخفق في مادة واحدة يرسب في الامتحان كله ويعيده كاملاً، لا مجال لتقسيط مواد الامتحان على سنتين أو ثلاث سنوات ...
لم يكن الامتحان سهلاً أو بسيطاً، بيد أنه لم يكن أيضاً قضية أو هماً وطنياً، كان أداة لقياس قدرات الطلاب وتحصيلهم، ولم يكن كابوساً يتحسب من قدومه الجميع بدءاً بالطالب وأسرته وانتهاءاً بوزير التربية الذي قد يطيح برأسه، إن لم تنسجم نتائجه مع معايير وأسس العامة ومتصفحي وسائل التواصل الاجتماعي، لم يكن يومها سوقاً للتجارة ولا وسيلة للاستغلال والتربح، فلا مراكز ثقافية ولا دروس خصوصية يحدد وقتها بالدقائق والثواني وأجرة الواحد منها بدنانير كثيرة، كان التركيز على التحصيل أما الامتحان فتحصيل حاصل، قبل أن تنقلب المعادلة وتصبح الغاية الرئيسية كيف نجتاز الامتحان ....
سقى الله تلك الأيام، عندما كانت نوعية المخرجات التعليمية تفوق بدرجات ما نشهده الآن وكانت وزارة التربية والتعليم يقودها وزراء من أمثال ذوقان الهندواي واسحق الفرحان ومحمد نوري شفيق ووكلاء وزارات من قماشة حكمت الساكت وأحمد العقايلة، وكان حملة درجة الدكتوراة فيها يعدون على أصابع اليد، قبل أن نغرق في موجات الحداثة والتطوير، وتضيق ردهات وزارة التربية ومكاتبها بحملة الألقاب والشهادات العليا، ويصبح للوزارة أمينين عامين اثنين والكثير من المساعدين، لم يكن لدينا نقابة للمعلمين ولا أكاديميات لتدريب المعلمين ولا مناهج "متطورة" ولا شهادات ودورات في أساليب القياس والتقويم، كان لدينا فقط معلمون منتمون تكفيهم رواتبهم للعيش بكرامة، كانت غرف الصفوف بالنسبة لهم محاريب للعلم والعطاء ولم تكن محطات ترويج للحصص والدروس الخصوصية ......
"تطور" التوجيهي كثيراً ومع تطوره ضاعت الهيبة واهتزت المكانة وانحرفت البوصلة، واحتار ربابنة وزارة التربية وملاحوها كيف السبيل إلى الوصول إلى امتحان يرضي الجميع، لا هو بالصعب الذي يغضب الطلبة وأهليهم، ولا هو بالسهل الذي يفرز معدلات مرتفعة تثير السخرية والتندر وتُعْجِز الجامعات عن توفير المقاعد الجامعية لحامليها، وفاتهم أن المشكلة لا تكمن في الامتحان بحد ذاته وإنما في العملية التعليمية برمتها التي تراجعت كثيراً، وأن الحل يكمن في العودة إلى الأساسيات التي كانت تحكم العملية قبل الغرق في تفاصيل ونظريات التحديث و التطوير، هذه الأساسيات التي يعرفها جيداً وعمل بموحبها المعلمون ورجال التربية القدامى، والذين لن يبخل من بقي منهم على قيد الحياة في تقديم النصح والارشاد لإنقاذ المركب وإعادة الإمور إلى نصابها.
المهندس عادل بصبوص
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
الأردن اليوم
القاق تحسم الجدل: أوقات الذروة لا تُطبق على المنازل .. ولا رسوم إضافية على الفواتير
منذ 5 أيام
03
04
ملفات ساخنة
5 أسماء تتنافس على رئاسة "النواب" .. هل حُسمت المعركة مبكرًا أم أن المفاجآت في الطريق؟
منذ 5 أيام
05
الأردن اليوم
الحكومة تدشن الناطق الرقمي "فرح" .. خطوة جديدة في مسار التحول الرقمي وتعزيز التواصل مع المواطنين
منذ 5 أيام
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
الطورة يكتب :الرأي العام .. لا تصدق الأغلبية
منذ 1 ساعة
كُتاب سرايا
عكروش يكتب : إستراتيجية تسويق معمودية السيّد المسيح 2030: مشروع دولة بإمتياز
منذ 2 ساعة
كُتاب سرايا
د. مفضي المومني يكتب: نتائج اختبارات PISA 2025 من الاحتفالية إلى الحقائق .. !
منذ 4 ساعات
كُتاب سرايا
القاضي يكتب: بين لغة القانون وحرمة البيوت:عندما يغيب الذكاء التنفيذي عن الخطاب الرسمي
منذ 6 ساعات
كُتاب سرايا
د. ذوقان عبيدات يكتب: بأي أمّية يحتفلون؟
منذ 6 ساعات
أخبار فنية
فن
هل تسبب مسلسل "المنظمة" بوفاة سيرهات كيليتش؟
منذ 3 ساعات
فن
عمرو سعد يكشف حقيقة خلافه مع محمد سامي وموعد عودته للدراما
منذ 4 ساعات
فن
كندة علوش «محتالة» في مسلسلها الجديد «خمسين / خمسين»
منذ 4 ساعات
فن
مايا دياب تفتح ملفات حياتها: لا أندم على الماضي وأعرف الأقلام المأجورة
منذ 6 ساعات
فن
تامر حسني يفاجئ الجمهور بفورمة رياضية جديدة .. تفاصيل تدريباته الشاقة
منذ 6 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
اقترب من ستانلي ماتيوس .. ميسي يصنع التاريخ بترشحه للكرة الذهبية
منذ 2 ساعة
رياضة
لويس إنريكي: باريس سان جرمان يقدم بداية موسم كارثية
منذ 3 ساعات
رياضة
ثنائي عربي ينافس على جائزة أفضل لاعب شاب في العالم
منذ 4 ساعات
رياضة
على طريقة صلاح .. ماك أليستر يبدأ حرباً ضد إدارة ليفربول
منذ 4 ساعات
رياضة
اختتام منافسات الجولة الثانية من بطولة كأس الأردن للسيدات
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
نزهة عائلية تنتهي بفاجعة .. غرق 3 أشخاص بينهم طفلة في العراق
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
قيادة السيارة أكثر خطورة بـ 626 مرة من السفر بالطائرة
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
أجرى 139 عملية شراء دون سداد قيمتها .. شاب يستغل ثغرة إلكترونية في مصر
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
دفتر أُلقي في القمامة .. ثم ظهرت داخله رسالة صادمة عمرها 85 عاماً
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
ماذا يحدث عند وضع الخل الأبيض في مكيف الهواء؟
منذ 3 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات