ولأننا في مجتمعات لا تحظى بالكثير من الخصوصية على المستوى الفردي ، فإننا نجد مبدأ التباعد الاجتماعي المنبثق عن قواعد التعامل مع الوباء الجديد ( كوفيد - 19 ) أمرا عصيا في التنفيذ ، وبسيطا وقابعا في مرحلة التنظير عند البعض على اقل تقدير .
وليست المسألة بوليدة الاحداث او متأتية من رحم الازمة الوبائية ، بل تضرب جذورها في عمق السنوات ، وتصدح في كل الآفاق ولا تكاد تخلو طبقة او تجمع انساني في المنطقة الا ويواجه هذا التحدي ..
وبعيد عن المستجدات العالمية فإن ما وراء المناكفة ، لا يعد تعبيرا عن غياب الوعي في الازمات وحسب ، ففي المجتمع - بشكل اساسي - مشكلة في عقول يعيث بها النقص المركب أو ليكونوا كما اسميتهم " سجناء النقص " الباعثين على السلبية العابثين بكل ما هو ايجابي ، محاولين تغيير دفة نجاح المحيطين بهم نحو الهزيمة ..
إن سجناء النقص هؤلاء ، أشخاص يشكون في كينونتهم من عقد طويلة المدى ، عميقة الاثر ، بالغة الوضوح ، اكل عليها الدهر كثيرا ؛ حيث تجد الواحد منهم يعيش في حالة كبيرة من التخبط ، فرط التركيز لضياع الاهداف ، والركض بسرعة الضوء في دوائر الفراغ ، يتنمرون على الاشخاص في كل موقف ومناسبة ولا يوفرون ذلك ، بل على العكس ، في كل جيئة وذهاب تجدهم يتحققون ذواتهم بهذه الطريقة التي يسقطون فيها امراضهم الدفينة على الآخرين ..
لغة التنمر باتت نمطا مألوفا تراه في معظم تعاملاتك ان لم تكن جميعها ، ما بين المتفرج ، وما بين الواقع عليه ذلك الشعور الازدرائي الخالي من الاسس المنطقية والقيم الانسانية ..
ولأن الموضوع يحتوي على مساحات فضفاضة لاختلاف الجوانب ، الا انه مهما طال الحديث به ومهما كتبنا له من سلسلة طويلة من المقالات والكتابات بوجه عام ، فإن الاستمرارية في الكتابة والوقوف عليه ، يتناغم بشكل طردي مع استمرارية بقائه في عالمنا ومجتمعنا ..
من المؤلم حقا ان بلغنا في هذه الحياة ، عقودا من الزمن ، ونحن نجد أولئك المتهكمين ، المتشدقين بالمثالية على العالم الافتراصي ، المميزين في كيدهم واحقادهم على العالم الواقعي ، ما زالوا يعيثون في مجتمعاتنا بلا رقيب او حسيب ..
لدقائق من التأمل اتساءل لماذا لا يتم شرعنة قانون يعمل على اقصاء المتنمر او كبح جماح نفسه المتآكلة نقصا ، الفائضة شرا ، ان كان واقعا او عبر هذا العالم الافتراضي ايضا؟؟!!
مع الاسف الشديد - وبعيدا عن تحديد الشخوص والاماكن - هنالك عدد لا يستهان به ممن يغردون ويصدحون على المواقع والشبكات ، وهم نماذج مصغرة لشر اكبر ، او شر كبير ما زال ينمو بلا توقف ببوصلة موجهة ( اجندات ) او ببوصلة ذاتية ( قناع الوطنية / المصلحة والتكسب ) ..
وعودة لموضوع الازمة الوبائية واسقاطا لواقع التنمر على هذه الازمة ، فإن هذه الفئة وبكل اسف ، تلعب دورا محوريا في تأجيج لغة الرفض للتعامل بوعي وجدية مع هذا الفيروس الخطير وبالتالي يضاف الى رصيدهم الجديد ، صناعة رأي عام لا يتكيف مع الازمة الوبائية ، والكثير من البسطاء يركبون - على غير معرفة - موجة الاستنكار لواقع كورونا الأمر الذي يلعب في معترك الازمة ارقاما صعبة لصالح الفيروس ..
في الحقيقة في جعبتي الكثير حول سجناء النقص ، لكن يكفي القول بأنها فئة لا يمكنها العيش الا راقصة على مأساة غيرها ، وفي داخلهم لؤم طاحن ، غيرة مرضية ، افعال غير مبررة ، قاعدة متواضعة او مضمحلة من المبادىء والقيم ، كما ويرفضون باستنكار قاتل من هو الافضل والاعتى نجاحا منهم ، يعيشون في غوغائية منقطعة النظير جراء كثرة الالتفات ، واستباق كل ما هو آت ..
وما يحدث مع الازمة الوبائية ليس الا مثالا واقعيا ومستجدا - ليس بوحيد - كغيض من فيض ، وقطرة في بحر واقعنا المتداخل الابعاد والمصطلحات والاختصاصات عبثا وفوضى ..
فعلينا ان نكون على وعي ودراية في التعاطي مع هذه الفئة ، كما وأن طبقة المثقفين تحمل مسؤولية نشر المعلومات وتشجيع الناس نحو السلوكيات الفضلى ، للتخفيف من هذا الانجراف الكبير نحو الهلاك والممنهج من صناع السلبية والتشتت ، وكما يتوجب على القارىء ان يدرك تمام الادراك لمن يتابع ولمن يقرأ وبقناعات واراء من يبحر ، فهناك من يتاجر بالقضايا ، ويكتب مأجورا ، ويسطر ما وراء الكواليس حرفا ليس بحرفه ، انما بغية الاستعراض والمصالح الشخصية ، وهم الحصة الاشد خطرا من هذه الفئة ، متصنعو الثقافة ، وتجار القوميات ، وما هم بخادمي اقاربهم ، ومعارفهم - ان بقي لديهم - ليخدموا اوطانهم ..
فعلينا ان نكون على قدر من المسؤولية والدراية فيما نشاهد ونقرأ ونسمع ، فلا احد يمكنه ان يعلمنا حب الحياة وهو كاره لنفسه ، ولا احد يمكنه ان يصنع وطنية جمة في نفوس متابعيه وهو خائن لوطنه ..
وحفظ الله بلادنا الحبيبة وشعبنا الغالي .
فداء المرايات
كاتبة وباحثة سياسية
ناشطة في مجال حقوق الانسان
سجناء النقص
منذ 5 سنوات
3272
فداء المرايات
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
الأردن اليوم
"القضية الفلسطينية قضية الفلسطينيين فقط لا قضية غيرهم" .. هل قالها سميح المعايطة فعلًا؟
منذ 2 يوم
05
الأردن اليوم
حبس موظف في الضمان الاجتماعي وعامل وافد 7 سنوات ونصف وتغريمهم 1.2 مليون دينار بقضية فساد
منذ 3 أيام
آخر الأخبار
مقالات منوعة
احمد علي يكتب: من حرر لكم الجنوب؟!
منذ 23 ساعة
مقالات منوعة
محمد الهياجنة يكتب: تتعانق الراية الهاشمية مع عنان السماء
منذ 1 يوم
مقالات منوعة
الشطناوي يكتب: العقل والمال
منذ 1 يوم
مقالات منوعة
النجادات يكتب : الفوج الأول وحضور مهيب لولي العهد
منذ 1 يوم
مقالات منوعة
أماني أبو عواد تكتب :قبل ما تقول لابنك “ركّز”… انتبه: دماغه قد يكون في حالة طوارئ!
منذ 1 يوم
أخبار فنية
فن
تعاون للنجم مساري في Echo ضمن ألبوم كأس العالم 2026
منذ 1 ساعة
فن
حقيقة عودة لميس الحديدي وعمرو أديب .. مصادر مقرّبة تحسم الجدل
منذ 4 ساعات
فن
بسبب بند سري .. تايلور سويفت تقود ثورة بمليار دولار لصالح الفنانين
منذ 4 ساعات
فن
محمد رمضان ينافس في رمضان 2027 بمسلسل من تأليف أحمد مراد
منذ 4 ساعات
فن
تيسير إدريس ينتقد أزمة النصوص وندرة كُتاب الدراما السورية
منذ 14 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
بنفيكا يضغط لمنع انتقال مورينيو إلى ريال مدريد
منذ 9 دقائق
رياضة
المنافسات تحسم أندية “السوبر” الموسم المقبل
منذ 1 ساعة
رياضة
من هي إيناس غارسيا صديقة لامين يامال؟
منذ 1 ساعة
رياضة
رونالدو بعد هدف الأهلي: الرحيل اقترب
منذ 4 ساعات
رياضة
محمد صلاح يحدد وجهته المقبلة: تغيير كبير وغير متوقع
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
قبل ما تشتري .. "دليلك الشامل للأضحية": كيف تكتشف غش التجار وتختار الأضحية السمينة والسليمة؟
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
لماذا لن تطأ قدم الإنسان كوكب الزهرة؟
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
طاقة زائفة .. ومخاطر حقيقية! هل تعرف ماذا تفعل علبة واحدة من "مشروب الطاقة" بقلبك وأعصابك؟
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
"العين الثالثة" .. سر الإضاءة الحمراء في "أبراهام لينكولن"
منذ 15 ساعة
منوعات من العالم
قفزة تاريخية .. ثروة لاري بيج تتخطى 300 مليار دولار لأول مرة
منذ 15 ساعة
الرجاء الانتظار ...