كورونا تعمّق ألم وحدتك .. كيف تخفف من حدته؟

منذ 6 سنوات
919
كورونا تعمّق ألم وحدتك  ..  كيف تخفف من حدته؟
سرايا - تُعزَّز الوحدة النفسية في زمن كورونا فتزيد الآثار السلبية لتشمل كافة الجوانب الاجتماعية والانفعالية والسلوكية وحتى الجسدية، وتعطل مجالات الحياة اليومية.

يجلس على مائدة طعام، يقابله دمية دب صغير على مقعد أمامه، يسأله عن رأيه بمشاركته تناول شطيرته أم لا، فيترجل على قدميه بسرعة متجها نحو الدمية ماسكا رأسها ويحركها يمنة ويسرة إيماءً بالرفض، فيعود الى مقعده ليبدأ تناول طعامه.

مشهدٌ من مسلسل كوميدي لممثل عالمي اشتهر بـ"مستر بين"، تابعوه كثيرون، وضحكوا على مشاهده الكوميدية، ولفت انتباههم تعلّقه بدبه الصغير الذي أسماه "تيدي" واصطحابه أينما حلّ، وتحدّثه معه باستمرار، أنسة به، وكسراً لوحدته.

بعض الأشخاص يشبهون حال "مستر بين" يعيشون بمفردهم، وينعزلون عن الآخرين، رغبة منهم أو مجبرين على ذلك، كاختبارهم تجارب حياتية فاشلة، أو زواج أبنائهم، أو موت أحد أفراد عائلتهم كشريك الحياة، فيستعينون بأساليب تخفف وحدتهم وتؤنسهم، ولكن في ظل الأزمة التي يعيشها العالم حاليا بسبب جائحة كورونا فقد أعيد فتح جروحهم، فتفاقمت مشاعر أحزانهم، واشتياقهم لمن فارقوهم.

يصرّح الخمسيني محمود حسن -وهو موظف- لـ"أبواب- الرأي": "كنت أعيش مع والدتي -رحمها الله- في نفس البيت بما أنني لم أتزوج ولم أسّس عائلة، كنا نقضي أوقاتا سويا، كنت مجبرا على العودة الى المنزل لرؤيتها وألبي طلباتها كي لا تشعر بالوحدة".

ويتابع: "الا أنها جعلتني وحيدا بعد وفاتها، فتغيرت عاداتي اذ صرت أتعمد التأخير عن عودتي للمنزل، وعندما أوجد فيه أُنير جميع الأضوية كما كانت تفعل، اذ كان المنزل وقتها مفعما بالحيوية".

ويشير الى أن مشاعر الفقد والاشتياق ازدادت خلال أزمة كورونا وخلال ساعات الحظر اذ لا وجود لمهرب من مشاعره بالخروج من منزله.

تقول رويده -وهو اسم مستعار-: "خبرت تجربة زواج فاشلة أجبرتني على ترك بناتي الأربعة والعيش بمفردي، فكنت أتهرب من التوغل في حزني واشياقي بالانضمام الى التجمعات العائلية والأصدقاء والقيام بنشاطات مختلفة خارج منزلي، ولكنني لا أستطيع ذلك في الفترة الحالية".

الوحدة والعزلة الاجتماعية

هناك فرق بين مفهومي العزلة الاجتماعية والوحدة، يبين الاستشاري الاجتماعي الدكتور فيصل غرايبة الفرق بينهما مستعينا بالأبحاث العلمية بقوله: "الأولى هي البُعد -بشكل مادي- عن الآخرين وعدم وجود قنوات للتواصل، أما الثانية فتمثل شعورًا بعدم وجود مَن يتفهمك، ويشاركك اهتماماتك، وهو ما قد تختبره حتى وأنت داخل غرفة مزدحمة بالأشخاص".

ويلفت غرايبة الى أن عصر الصناعة ونمط الحياة المدنية المعاصرة أسهما بسلبيتهما في زيادة العزلة والوحدة بين أفراد المجتمع، اذ أصبح كل انسان منشغلًا بعمله وأهدافه المعيشية ومتطلباته الحياتية، مهملًا الجانب الاجتماعي والتواصل مع العائلة والأصدقاء والجيران".

ويُعَدُّ غرايبة كبار السن من الفئات الأكثر تعرُّضًا للوحدة وأعراض الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب والقلق بعد تركهم زملاء العمل، أو بعد زواج الأبناء أو سفرهم.

ويرى: "ان المجتمعات العربية أفضل حالًا، نتيجة الالتزام بالموروث الأسري وصلة الرحم، كما نجد تقبُّلًا نفسيًّا ورفقًا تجاه المرضى وذوي الإعاقة والمسنين، ويبدو أن الرجال هم الأكثر عرضةً للعزلة، مقارنة بالنساء، إذ دائمًا ما يكون الرجال أقل اتصالًا بكلٍّ من الأبناء والأصدقاء على السواء. وهنا نقول أنه لا بد من الاهتمام بالتنشئة الاجتماعية للأطفال ومشاركة الهوايات مع الآخرين، ودمجهم في الألعاب والتمارين الرياضية الجماعية".

ويشير الى من يعيشون منفردين، وفي عزلة تامة، في هذه الظروف الإسثنائية، وكم هي عسيرة أحوالهم وقد انفض الأبناء والبنات من حولهم، وانصرفوا الى بيوتهم التي عمروها بعد الزواج فابعدتهم عن آبائهم وأمهاتهم، وساعدت حالة الحجر والحظر على ذلك، اذ وجد المسنين بعيدين منسيين عمن اعتادوا أن يسألوا عنهم، وياتوا إليهم؛ ليتفقدوا أحوالهم".

ويكمل: "كما ألاحظ فإنني أجد من الميسور لهؤلاء الأبناء أن يتغلبوا على الأمر أو تسهيله، بالاستفادة من ساعات رفع الحظر، ومن السعي للحصول على تصاريح رسمية عند الضرورة القصوى، عدا عن الجيران يمكن أن يتولوا مهمة الاستفقاد هذه، أو التناوب بالمبيت مع هؤلاء عدا عن استخدام الهاتف لهذا الغرض، ولا ضير من أن يشرحوا للمراقبين الرسميين عند التقاطعات، وزوايا الشوارع الظرف الحرج الذي يفرض عليهم، ويتطلب منهم المبادرة للتحرّك من أجل المساعدة أو الإسناد أو الإسعاف".

الأثر النفسي

يلفت أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي الى: "أن الوحدة قد تكون من أعراض بعض الاضطرابات النفسية للشخص كالقلق والاكتئاب والرهاب الاجتماعي غالبا، لابتعاده عن الاختلاط وتجنب المواقف الاجتماعية خوفا من تقييم الاخرين له، وتجنبا لتعريضه للإحراج والإرباك".

للوحدة أبعاد إيجابية في بعض الأحيان ولكن لفترات قصيرة؛ لإعادة ترتيب أولويات الفرد بحسب التميمي، ويضيف: "ولكن اذا زادت بشكل كبير، وأصبحت سمة في شخصيته، وترتب عليها خلل في أداء وظائف الحياة، فإنها ستؤثر على تكيّف الإنسان مع ذاته، ونظرته للحياة ونظرة الآخرين له، كما سيشعر بنوع من الغربة، وبالتالي تصبح مشكلة وتحتاج الى تدخل".

يعدّد التميمي دوافع الوحدة بقوله: "سيطرة أفكار سلبية سوداوية، وفقدان المتعة بالحياة، وفقدان القيمة، وعدم وجود معنى لحياته".

ويكمل: "بالرغم من أن الإحساس بالوحدة لا يقتصر على فئة عمرية معينة، الا أننا نلاحظ ازدياده في مرحلة المراهقة؛ لأنها مرحلة اكتشاف الذات، وتطوير الهوية الشخصية، كما نلاحظ لدى كبار السن أيضا، اذ تعمل الوحدة على التراجع الصحي النفسي الإدراكي لدى الشخص الكبير بسبب عدة عوامل منها: فقدان الشريك أو أسباب صحية كعدم القدرة على الحركة كالسابق".

فيما يتعلق بآثار الوحدة فيقول: "إنها تؤثر أو تشلّ وظائف الحياة كاملة، ولها آثار نفسية وانفعالية جسدية، اذ ان الأفكار السلبية تجعل نظرة الإنسان سوداوية، ومن الممكن أن تقود الى الإصابة بالاضطرابات النفسية كالكبت وعدم التفريغ، ومشاكل صحية اذ من الممكن أن تؤثر على الجانب الجسدي فيشعر الفرد بالأوجاع، بالإضافة الى أنه من الممكن أن يكون لها علاقة بالضغط والسكري، وأمراض العصر الدارجة المرتبطة بضغوط الحياة الحيومية والتوتر".

ويشير الى أن الأشخاص الذين يعانون من الوحدة النفسية قبل عهد كورونا حتما انها ستزداد، ربما الفارق أن الوحدة كانت بإرادتهم في السابق بينما الآن أصبحت مفروضة على الجميع بسبب الإجراءات والتدابير للوقاية من الإصابة بفايروس كورونا.

ويتابع: "لذا يمكن النظر لتاثير الوحدة النفسية في زمن كورونا باتجاهين مختلفين، الأول: إن الأشخاص الذين يعانون من الوحدة بطبيعتهم لم تختلف كثيرا عليهم الامور، بينما الآخر فإنها تتعزز لديهم مشاعر الوحدة النفسية لأنها أصبحت ليست بإرادتهم، وهذا سيزيد من الآثار السلبية لتشمل كافة الجوانب الاجتماعية والانفعالية والسلوكية وحتى الجسدية، وتعطل كافة مجالات الحياة اليومية.

ويلفت الى أنه من الممكن أن يوقظ زمن كورونا الأشخاص الذين يعانون من الوحدة النفسية مدى الضرر الذي يلحق بالشخص جرائها على كافة انشطة الحياة المهنية والاجتماعية وكذلك نظرته للمستقبل، بلغة أخرى ربما يكون لزمن كورونا تأثير إيجابي في صحوة الفرد من وحدته، وإعادة النظر في طريقة وأسلوب حياته الذي كان متبع سابقا؛ لأنه ببساطة رأى معنى الوحدة على كافة أصناف البشر بسبب الحجر المفروض".

كيفية التعامل والتخلص من الوحدة النفسية تتطلب وعي الفرد بغض النظر عن فئته العمرية، ووعي المحيطين بالشخص بمدى التغير المفاجئ في شخصيته، والبحث في أسبابه، وتصحيح الإعتقادات الخاطئة، والتشويهات المعرفية المرتبطة بقضية الوحدة، ومواجهة الشخص لأن الهروب الى الوحدة ليس الحل الصحيح للخروج من المشكلة، ولكنها تعتمد على كيفية إدراكه للأمور، وتتطلب لجوء الشخص الى متخصص ومعالج نفسي يستخدم أساليب واستراتيجيات العلاج المعرفي السلوكي بحسب التميمي.

ويذكر إرشادات عامة لكسر الوحدة وقضاء أوقات الفراغ بـ: "إشباع الهوايات سواء كانت بشكل فردي، أو مع أشخاص، مراعاة جانب الغذاء الصحي والنوم الكافي، والجلوس مع أشخاص إيجابيين، وإشباع الجانب الروحي من خلال الصلاة والدعاء، وانخراط الإنسان مع الآخرين قدر الإمكان اذ أن الإنسان بفطرته كائن اجتماعي يؤثر ويتأثر، ولا يستطيع أن ينفصل عن الآخرين وحتى لو اجبرته الظروف على البعد الجسدي الا أنه باستطاعته البحث عن حلول مختلفة كإجراء مكالمات جماعية تسمح برؤية المتحدث عن بعد أي بما يعرف بمكالمات الفيديو، بالإضافة الى تخصيص أوقات للاسترخاء والتأمل والرياضة قدر الإمكان، والمشي في الطبيعة، والسفر والترفيه حتى لو بأبسط الأمور، واللعب مع الصغار والقيام بالأعمال التطوعية اذ تخفف تدريجيا من مشاعر الوحدة النفسية".


شارك المقال:

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم