في مقال سابق، نشر على موقع سرايا، أبديت تحفظاً حول التصريحات الحكومية التي أكدت أكثر من مرة على أن الرصيد القائم لإجمالي الدين العام بدأ يشهد تراجعا؛ سواء كنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي أو كقيمة مطلقة! وهذا ما بينته، فعلا، آخر البيانات المتاحة الصادرة عن وزارة المالية ودائرة الإحصاءات العامة! كما تشير هذه البيانات إلى أن السياسات الجبائية، التي تم اعتمادها بشكل مضطرد ومناقض للعديد من النظريات الإقتصادية، قد بدأت تؤدي إلى اشتداد حدة التباطؤ الإقتصادي، والذي قد يتحول إلى انكماش اقتصادي في حال بقيت الأمور على حالها ولم تبادر الحكومة إلى اتخاذ أجراءات تصحيحية تسهم في حفز جانبي العرض والطلب، وهو أمر يبدو مستبعدا في ظل إملاءات صندوق النقد الدولي وغياب الفعالية عن المطبخ الإقتصادي، إن وجد فعلا لا شكلا!
فحسب البيانات التي نشرتها وزارة المالية مؤخرا، نجد أن الرصيد القائم لإجمالي الدين العام قد ارتفع من قرابة (27,269) مليار دينار في نهاية عام 2017 ليصل إلى حوالي (28,308) مليار دينار في نهاية العام الماضي؛ مسجلا زيادة مطلقة تجاوز حجمها مليار دينار، أو ما نسبته (3.8%)! أما في نهاية الشهر الأول من هذا العام فقد بلغ حجم الدين العام حوالي (28,532) مليار دينار؛ مسجلا نموا نسبته (0.8%)، أو ما مقداره (224) مليون دينار! وإذا ما أخذنا بعين الإعتبار المبالغة في تقدير الإيرادات المحلية المقدرة في قانون الموازنة العامة للعام الجاري، كما تم بيانه بالتفصيل في مقالات سابقة، وفي ظل تعمق حالة التباطؤ بسبب الارتفاع في معدلات الضرائب والرسوم والبيئة الإقليمية غير المستقرة وتواضع القدرة على الوصول إلى سوقي العراق وسوريا، رغم إعادة فتح الحدود مع الدولتين، ناهيك عن تراجع تدفقات الإستثمار الأجنبي المباشر؛ وانعكاسات كل ذلك على مستوى النشاط الإقتصادي وبالتالي على حصيلة الإيرادات من الضرائب والرسوم، وبالتالي توسع العجز المالي، فإن هذه التطورات تشير إلى أن الحاجة إلى المزيد من الإقتراض الداخلي والخارجي ستتعاظم خلال الشهور القادمة؛ مما يعني أن حجم الدين العام سيزداد كنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي أو بالقيمة المطلقة! والمخرج الوحيد "السريع" من هذا المأزق سيكون من خلال الحصول على مساعدات من مجتمع المانحين تفوق المستوى الذي تم تقديره في قانون الموازنة العامة للعام الحالي، وهو أمر مستبعد في ظل ما بدأت تطلق عليه الحكومة شعور المانحين بالتعب أو الإرهاق من الإستمرار في دعم الموازنة العامة، رغم ما تحمّله الأردن من تبعات مباشرة وغير مباشرة لأزمات لم يكن له دور فيها، بل كانت نتيجة عن ممارسات لدول "شقيقة" و"صديقة" في المقام الأول!
من جانب آخر تشير بيانات الحسابات القومية، التي صدرت قبل أيام عن دائرة الإحصاءات العامة، إلى أن معدل النمو الإقتصادي، بأسعار السوق الثابتة، قد تباطأ مما نسبته (2.1%) في عام 2017 ليصل إلى (1.9%) في عام 2018؛ وهو أدنى معدل نمو يسجله الإقتصاد الوطني خلال العقدين السابقين! أما بأسعار السوق الجارية فقد سجل الناتج المحلي الإجمالي في عام 2018 نموا نسبته (3.7%) مقارنة بنمو نسبته (3.9%) في العام الذي سبقه؛ ليبلغ قرابة (29.9) مليار دينار! وفي ضوء هذه التطورات فقد بلغت نسبة الرصيد القائم للدين العام الإجمالي إلى الناتج المحلي الإجمالي (94.7%) مقارنة مع ما نسبته (94.3%) في نهاية عام 2017، في حين كانت التصريحات الحكومية تصر، مرة تلو أخرى، على أن هذه النسبة آخذة في التراجع وستصل إلى ما مقداره (94%) في نهاية عام 2018 وهو ما لم يتحقق، كما توقعنا وتوقع الكثير من المتابعين والمحللين؛ على العكس من إصرار الفريق الإقتصادي الذي تجاوز ذلك ليبشرنا بأن القروض الجديدة ستسهم في خفض حجم الدين العام، وهو ما يناقض المنطق العام قبل مناقضته لأبجديات علم الإقتصاد والمالية العامة، ولكن هذا الفريق لزم الصمت بعد ظهور هذه البيانات! ومن الجدير بالملاحظة أن معدل التوسع في حجم الدين العام قد بدأ يتجاوز، وإن بفارق طفيف لغاية الآن، معدل النمو الإقتصادي بأسعار السوق الجارية، وهو ما يعني في حال استمراره أو تزايده في المستقبل إنهاكا للإقتصاد وربما تعريضه لضغوط تضخمية مستقبلية.
وعليه فإن على الحكومة أن تسارع بإعادة النظر في سياساتها الجبائية التي أخذت تقلص من قاعدة النمو الإقتصادي، وتزيد من ضغوطها على المجتمع الدولي لضخ المزيد من المساعدات، بدلا من الخطاب الحكومي الجديد، وغير المسبوق، الذي يوفر تبريرا لموقف هذا المجتمع الذي قلب لنا ظهر المِجنّ ولم يلتزم بوعوده المتكررة لتعويض الإقتصاد الأردني عن خسائره بسبب أزمات المنطقة التي صنعتها أيد إقليمية ودولية! كما يجب على الحكومة أيضا، وخاصة فريقها الإقتصادي، التوقف عن حديث الأماني والتعامي عن الواقع الصعب والتقليل من حدة التحديات، والتوجه نحو عرض الأمور كما هي على أرض الواقع، بإيجابياتها وسلبياتها، للحفاظ على ما تبقى من "جيوب ثقة" بينها وبين الشارع، وللحد من توسع "عجز المصداقية" الذي بدأ يتزايد بصورة مقلقة خلال السنوات القليلة الماضية، وخاصة في عهد الحكومة الحالية والتي سبقتها والتي قال رئيسها "حاسبوني عند نهاية العام" ولكن الشارع أخرجه من الدوار الرابع قبل "موعد الحساب الموعود"؛ علما بأنه كان يدرك كغيره من رؤساء الوزارات أن مفهوم "المحاسبة أو المساءلة" غير مطبق في ظل البيئة السياسية القائمة!
وزير التخطيط السابق الصمادي يكتب لسرايا : الدَّين العام: بين أماني الحكومة وصدمة الواقع!
منذ 7 سنوات
المشاهدات :
24144
د. تيسير رضوان الصمادي
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
الأردن اليوم
مطعم في عمان يصطف العشرات أمامه يوميا فجرا .. ما سر مطعم العقيلي بوسط البلد .. شاهد
منذ 2 يوم
02
03
04
ملفات ساخنة
جرش تستيقظ على فاجعة .. 3 من خيرة شباب البلدة يرحلون بحادث سير على طريق العقبة
منذ 3 أيام
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
الدكتور عدي تركي الفواعير يكتب: من السوشال ميديا إلى القضاء .. هل يمكن الوثوق بالدليل في عصر الذكاء الاصطناعي؟
منذ 1 ساعة
كُتاب سرايا
م سفيان الخالدي يكتب: بعد الإنجاز يبدأ الامتحان .. بالله عليكم لا تشيلوا الحجر!
منذ 1 يوم
كُتاب سرايا
زيد الزيود يكتب: النينيو يطرق أبواب شتاء الأردن… وأمانة عمّان تلتقط الإشارة
منذ 1 يوم
كُتاب سرايا
د. جاسر النسور يكتب: الدكتور فوزي الحموري .. عرّاب نجاح الاستثمار الصحي
منذ 1 يوم
كُتاب سرايا
أ. د. ليث كمال نصراوين يكتب: حراك مبكر نحو الانتخابات البلدية
منذ 1 يوم
أخبار فنية
فن
بصمة إنسانية وتراثية .. محمد عساف يفاجئ جمهوره بـ "عالهيلا"
منذ 1 ساعة
فن
بحضور نعمت عون .. عبير نعمة تستقبل المعزين بوفاة والدها في لبنان
منذ 10 ساعات
فن
مظلة جينيفر لوبيز تثير الجدل .. فيديو من عرض أزياء يقسم الجمهور .. صورة
منذ 14 ساعة
فن
بعمر الـ62 .. مونيكا بيلوتشي: أتقبل التقدم في العمر بكرامة
منذ 17 ساعة
فن
السبب ليس مادياً .. عاصي الحلاني ينسحب من مهرجان الموسيقى العربية في مصر
منذ 21 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
تطور صادم .. محمد صلاح يهدد باعتزال اللعب مع منتخب مصر
منذ 59 دقيقة
رياضة
"سأصوت لنفسي" .. رد طريف من نجم ريال مدريد بشأن مرشحه للكرة الذهبية
منذ 1 ساعة
رياضة
لست في ريال مدريد .. مانشيني يلقن زيدان 3 دروس قاسية
منذ 1 ساعة
رياضة
كوكوريلا يفاجئ المرشحين للكرة الذهبية
منذ 1 ساعة
رياضة
أبو غوش يتقدم بشكوى رسمية لفسخ عقده مع شباب الأردن!
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
منوعات من العالم
أمريكية خنقت أطفالها الثلاثة حتى الموت .. ماذا قررت المحكمة؟
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
علماء يكشفون: من يتناولون هذا الطعام غالباً ما يعيشون لما بعد الـ100
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
الهند .. قرود تنفذ عمليات سرقة وتطلب فدية
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
رحلة الـ200 دولة .. فتاة أمريكية على أعتاب كسر الرقم القياسي للترحال
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
«ظن أنها تخونه مع المحامي» .. مصري يقتل زوجته ويقطع جثتها في حمام !
منذ 9 ساعات
الرجاء الانتظار ...