من بين أهم الاستنتاجات التي خلصت إليها من لقاء جلالة الملك مجلس نقابة الصحفيين الأسبوع الماضي، الحاجة الملحة لتطوير الإعلام، ليكون فعالا قويا، وخلاقا إبداعيا، وموثوقا، وذا مصداقية.
هذا هو جوهر نهضة الإعلام ومقدرته على استعادة دوره ومكانته، وفي الأساس؛ قدرته على التأثير في الوعي والاتجاهات، ومنع التزييف والتضليل والخداع.
فالعالم، أي العالم الواعي لأهمية الإعلام وقيمته، يخوض، بالإعلام، معركة التأثير في السياسة والاقتصاد والثقافة والبنى الاجتماعية، في كل شؤون داخلية تخصه أو خارجية تتعلق بدوره ومصالحه.
وإذ ما ألقينا نظرة متفحصة على إعلامنا، نلاحظ، واقعيا وموضوعيا، أنه، رغم بعض التقدم الذي نلمسه، وهامش الحركة الذي نرصده، منذ تشكيل الحكومة الحالية، إلاّ أنه ما يزال يعاني ضعفا، وعلى نحو يقلّل من أثره، ويجعله، بلا مبالغة، هامشيا لا يلتفت إليه العامة ولا يثقون به.
إن انعدام هذه الثقة بالإعلام، وضعف حضوره، صبّ في مصلحة منصات التواصل الاجتماعي (فيس بوك وتويتر بالأساس)، والأخيرة باتت هي التي تشكل الرأي العام، وتخلق الاتجاه المهيمن، وهذه المنصات بقدر ما فيها من «سمين» فانه فيها «الغث» أيضا، وبكثرة.
ما سبب ذلك كله..؟
سببان أديا إلى ضعف الإعلام التقليدي، الرسمي والخاص، والسببان أحدهما ذاتي، يتعلق بالإعلام نفسه، والآخر موضوعي، يتعلق بالمستويات الرسمية.
الأول: لم يتمكن الإعلام (مع بعض التغيير الآن) من تجاوز أسلوبه النمطي والتقليدي في تناول الأحداث والقضايا، وبقي يتمسك بسياساته القديمة، وهذا ما أدى إلى شل قدرته، وقدرة الكوادر المؤهلة فيه، وحال بين هذه الكوادر والتجديد والتغيير والاستفادة من أشكال الإعلام الحديث وأساليبه، وهامش الحرية المفروض بحكم الأمر الواقع.
بقي هذا الإعلام أسير مصالح من يقوده، فالأولوية للبقاء في الموقع، والاستفادة من مميزاته ومكتسباته، وساهم في ذلك الاعتقاد أن المحافظة على «الرِّتم» التقليدي، هو الذي يحمي هذه المصالح، وفي أحيان كثيرة «تتبرع» بمواصلة النمطية والاختباء من الفعل الإعلامي دون أن يطلب منها أحد ذلك.
والسبب الآخر: أن الحكومات، وعلى مدار سنوات سابقة، ألزمت الإعلام بأن يكون تابعا لها، ولوجهات نظرها، ومنحازا بصورة شبه كلية لما تريده وتعتقده، وقد تمكنت بفعل تأثيرها في الإعلام الرسمي، وشبه الرسمي، من أن تكبحه وتمنعه من النهوض.
فالمسؤول، ومهما اختلفت درجة مسؤوليته، تشكلت لديه قناعة أن هذا الإعلام ملكه ويتبعه، وله الحق في أن يفرض عليه رأيه ورؤيته، وقد ساهم ضعف بعض القيادات الإعلامية في تجذر ذلك وتوسعه، أفقيا وعموديا.
لذلك، ما نشهده في الآونة الأخيرة من بعض التغيير في تعاطي الإعلام مع قضايا الشأن العام، يصعب المراهنة على استمراره وتكوره، فهو لا يزال في بدايته، وعلى الأغلب هو يعتمد سياسة «جس النبض»؛ يخشى من ردة وتبدل في المزاج الرسمي يعيده إلى المربع الأول.
هل من سبيل للخلاص..؟!
نعم، هناك سبيل، وهو متاح، وأقول بمصداقية تامة، لعبت الصحف الأسبوعية بعد عودة الحياة النيابية 1989 دورا في منح الصحافة والإعلام هامش حركة، لكنها لم تستغله جيدا وبقيت على حالها وطريقتها القديمة في العمل.
ومن ثم برزت لاحقا صحف يومية حديثة أوجدت هامشا من الحرية والاستقلالية، وهذه أيضا لم تستفد منها المؤسسات الكبرى، ولم تستثمر في المناخ الذي أوجدته، وحتى عندما برزت المواقع الإخبارية الالكترونية، ومن ثم برز وتوسع استخدام منصات التواصل الاجتماعي، ومن قبل الفضائيات والإذاعات الخاصة لم نلحظ الأثر الكبير في عمل الإعلام التلقيدي.
وكان يفترض أن تشكل البيئات التي خلقتها المواقع الالكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، وغيرها من وسائل الإعلام الحديث، الدافع الأكبر للقيام بمراجعة شاملة وجذرية للصحافة والإعلام التقليدي لتطوير الأداء، شكلا ومضمونا، إلاّ أنّ ذلك لم يحدث إلا في حدود ضيقة وغير مؤثرة.
وهو ما أدى، في المحصلة، إلى انسحاب أغلب الإعلام التقليدي من دائرة المنافسة والتأثير، وحتى منصاته الحديثة بقيت أسيرة، في الغالب، للنمطية المعهودة في المؤسسة الأم.
إن انحسار الإعلام الرسمي وشبه الرسمي، بسبب أدائه، وبسبب التأثيرات فيه من العام والخاص، وانسحابه من دائرة التأثير والفعل، صنع الفراغ الذي عزز من دور الإعلام البديل، وبالأساس من دور «التواصل الاجتماعي» بما فيه من عِلل وخلل، وبما أتاحه من تسلل أجندات غير وطنية في قلبه.
وإذا ما عدنا للسؤال عن السبيل للخلاص، فإن استعادة الإعلام لموثوقيته ومصداقيته ممكنة، والبداية بقيادات إدارية ومالية تنتشله من أزْماته المادية وتحسن أوضاع من يعملون فيه، وقيادات محتوى قادرة على أن تتخذ قرارها من تلقاء ذاتها، ووفقا لحسابات وطنية بحتة.
مع ما تتطلبه هذه الاستعادة من تركيز جوهري على المحتوى الذي يجب أن يذهب إلى المعالجات الرئيسية التي لا يمكن للمواقع الاخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي فعلها، فاليوم لم يعد الخبر حكرا لأحد؛ فهو متاح وبزمن قياسي للجميع، لكن مناقشة الخلفيات عبر التحقيقات والتقارير متاح للإعلام التقليدي أكثر من غيره.
وإلى جانب ذلك، الإعلام التقليدي مطالب بتطوير منصات إضافية من إذاعات ومواقع الكترونية تعمل بشكل مستقل، وفيها القدر الكافي من الحيوية والمرونة في متابعة الأحداث والقضايا، وفيها منصات تواصل اجتماعي تصل إلى أوسع شريحة ممكنة.
هذه، وبعجالة، الأدوات ذات الصلة بالشكل والمحتوى التي يمكن أن تسهم في استعادة الإعلام دوره، ويختار الأولويات ويحددها بموضوعية ومهنية، ويتيح للناس أن تعبّر عن نفسها بحرية، فالأصل أنَ الإعلام وسيط نزيه بين الأهلي والرسمي.
إن الإعلام الذي يسترد عافيته وينافس على منصات التواصل الاجتماعي، ومع تدفق مستمر للمعلومات من الجهات الرسمية والخاصة، من شأنه أن يعيد التوازن إلى منصات التواصل الاجتماعي ويحدّ من الشطط فيها.
لسبب بسيط، وهو أن الكفاءات التي تعمل في الإعلام مؤهلة من ثلاثة جوانب: الأول، لديها وعي قانوني كاف، ولديها ميثاق شرف صحفي وأخلاقيات مهنية، ولديها مهارات في المتابعة والصياغة المهنية التي تميز بين الحقيقة والشائعة.
وحال حدوث هذا الانخراط، مع الالتزام بمتلازمة الحرية والمسؤولية، أو الحرية والمهنية، فإن الأداء الجيد على «التواصل الاجتماعي» سيطرد الأداء الرديء، تماما كما تطرد العملة الجيدة العملة الرديئة من السوق.
بل وسيكون هذا الانخراط سببا في إشاعة ثقافة مختلفة على منصات التواصل الاجتماعي، فمن هو فاعلٌ على هذه المنصات دون التزام بأي قيم أو معايير أو أخلاقيات، إما أنه سيلتزم بالخط الموضوعي المهني الذي يحترم الحقيقة والوثيقة والتثبت من صحة المعلومات، أو ينزوي وتنسحب منه فرصة التلاعب بوعي الناس والتحكم باتجاهاتهم وأفعالهم.
هذه بعض الأفكار التي تدور في الذهن الآن. والمؤكد أن الأمر يستحق مراجعات ومساجلات وتبادل الآراء والرؤى بين جميع الأطراف، خصوصا في ظل الانفتاح والتعهدات والتأكيدات، من قبل الحكومة الحالية ورئيسها، وانفتاحها على ضرورة تطوير الإعلام واستقلاليته والشفافية في التعامل معه.
كُتاب سرايا
22-09-2018 12:13 PM
إصلاح الإعلام .. !!
منذ 7 سنوات
7819
نقيب الصحفيين : راكان السعايدة
شارك المقال:
الأكثر قراءة
02
الأردن اليوم
مدير السير: مبادرة لعرض "مركبات حوادث" في الطرق لإحداث صدمة بصرية وتعديل سلوك السائقين
منذ 4 أيام
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
عكاشة يكتب :قراءة قانونية في لجوء دونالد ترامب إلى المحكمة العليا
منذ 8 دقائق
كُتاب سرايا
د. دانييلا القرعان يكتب: بين التقاطع والاختلاف: الأردن ولبنان في ميزان المقارنة
منذ 9 ساعات
كُتاب سرايا
محمد يونس العبادي يكتب: المنطقه على حافة الانتظار
منذ 10 ساعات
كُتاب سرايا
الخطيب يكتب: جرائم المخدرات في الأردن… تراجع الأرقام لا يعني انتصار المعركة
منذ 11 ساعة
كُتاب سرايا
يعقوب ناصر الدين يكتب: ما بين الموقع والموقف!
منذ 12 ساعة
أخبار فنية
فن
بحكم نهائي .. براءة غادة إبراهيم من تهمة سب وقذف بوسي شلبي
منذ 1 ساعة
فن
بعد أشهر من الزواج .. حسام السيلاوي يعلن انفصاله عن زوجته ساندرا
منذ 4 ساعات
فن
حادث مأساوي يسبق حفل شاكيرا في البرازيل ويودي بحياة أحد العاملين
منذ 5 ساعات
فن
217 مليون دولار في افتتاحية تاريخية .. Michael يحطم الأرقام القياسية
منذ 7 ساعات
فن
خالد الصاوي يكشف عن أسوأ فترات حياته
منذ 10 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
الرمثا يفوز على السرحان بهدفين نظيفين
منذ 6 دقائق
رياضة
موعد مباراة مصر وروسيا قبل كأس العالم 2026
منذ 1 ساعة
رياضة
تقرير: فيفا يوافق على زيادة جوائز ومنح مونديال 2026
منذ 4 ساعات
رياضة
كاريلي: ضمك يبحث عن البقاء .. وصراع الهلال والنصر لا يهمني
منذ 5 ساعات
رياضة
الأردنيون يستعدون مبكرًا لمتابعة مباريات النشامى في مونديال 2026
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
نصائح بسيطة لإتقان الذكاء العاطفي .. أبرزها قاعدة الـ"10 ثوان"
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
فاتورة علاج بـ 127 ألف دولار تشعل خلافاً دبلوماسياً بين إيطاليا وسويسرا
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
وحيد قرن ينهي حياة رجل كرس عمره لحمايته
منذ 6 ساعات
منوعات من العالم
تطوير مسحوق اصطناعي بديل للدم
منذ 6 ساعات
منوعات من العالم
خصوصيتك في خطر؟ خطوات مهمة لضبط إعدادات ChatGPT
منذ 8 ساعات
الرجاء الانتظار ...