كتاب (شبابيك) لمحمد عارف مشّة .. التقاطات حياتية مباغتة

منذ 9 سنوات
المشاهدات : 14642
كتاب (شبابيك) لمحمد عارف مشّة ..  التقاطات حياتية مباغتة

سرايا - القصة القصيرة من الأجناس الأدبية التي شهدت تطوراً ملحوظاً خلال العقود الماضية في مجال السرد الروائي أو الحكائي على مستوى الوطن العربي، وأفرزت العديد من المبدعين الذين سجلوا إضافات مهمة أثناء مسيرتها الطويلة عبر الأجيال المتعاقبة. وإن كان القاص الكبير يوسف إدريس قد وصف القصة القصيرة بأنها «رصاصة» فذلك لإيمانه بفاعلية التأثير القوي والسريع لها سواء في ذهن وفكر ووجدان المتلقي العربي، أو تأثيراتها وتطوراتها المتعددة في إطار تكوينها البنيوي الذاتي موضوعياً وفنياً.

سرايا - سرايا - القصة القصيرة من الأجناس الأدبية التي شهدت تطوراً ملحوظاً خلال العقود الماضية في مجال السرد الروائي أو الحكائي على مستوى الوطن العربي، وأفرزت العديد من المبدعين الذين سجلوا إضافات مهمة أثناء مسيرتها الطويلة عبر الأجيال المتعاقبة. وإن كان القاص الكبير يوسف إدريس قد وصف القصة القصيرة بأنها «رصاصة» فذلك لإيمانه بفاعلية التأثير القوي والسريع لها سواء في ذهن وفكر ووجدان المتلقي العربي، أو تأثيراتها وتطوراتها المتعددة في إطار تكوينها البنيوي الذاتي موضوعياً وفنياً.

ومن أبرز تطورات القصة القصيرة إفرازها لجنس فرعي إبداعي جديد اصطُلح على تسميته «الأقصوصة» أو «القصة القصيرة جداً» التي يشار إليها غالباً بحروف رمزية مختصرة (ق.ق.ج) والتي صارت شكلاً فنياً حاضراً في المشهد السردي العربي، ومتأطراً بمعظم العناصر الفنية والخصائص التي لا تختلف كثيراً عن مواصفات القصة أو القصة القصيرة إلا في عملية التكثيف اللغوي السردي من حيث عمق المفردة وبلاغة الصورة التعبيرية، وعدم الإطالة والإطناب بمحدودية عدد الكلمات والجمل والعبارات التي يتضمنها نص القصة القصيرة جداً مقارنة بالأجناس السردية الأخرى التي تتدرج في مساحتها التعبيرية لتصل إلى حد الرواية.

ويعدّ الأديب الأردني محمد عارف مشّة من الكتّاب المميزين الذين يملكون تجربة جديرة بالاهتمام في مجال فن كتابة القصة العربية القصيرة جداً، حيث عُرف بنبوغه فيها منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي، وهو لأكثر من ثلاثة عقود ما زال يواصل مسيرته الإبداعية في إثراء المشهد السردي بعدد من النصوص الجميلة التي تضمنتها مجموعاته القصصية الخمس: «حبك قدري» (1983)، و»همسة في زمن الضجيج» (1989)، و»الولد الذي غاب» (1995)، و»السلطان قطز» (2002)، و»بائعة الكبريت» (2006).

وحول فن وتاريخ القصة القصيرة جداً، يقول مشّة في لقاء معه نُشر على صفحات مجلة «اليمامة» السعودية (26/3/2015): «القصة القصيرة جداً هي مولود شرعي وبشهادة ميلاد معترف بها. فللقصة القصيرة جداً عناصر القصة المعتادة من بداية وعقدة ونهاية وشخوص ومكان وزمان، والإبداع الذي جاء فيها هو التخلص من السرد والحشو». وحول تاريخ نشأتها يقول: «القصة القصيرة ليست وليدة فترة زمنية قصيرة، بل تعود في نشأتها العالمية إلى عام 1923، وإن كانت حديثة العهد في وطننا العربي سواء من حيث المسمى أو الشكل البنائي في النص».

وخلال هذا العام (2016) أصدر مشّة مجموعة قصصية جديدة بعنوان «شبابيك» (الآن ناشرون وموزعون، عمّان، 2016) احتوت على مائة وثلاثين قصة قصيرة جداً، أهداها بعبارة صريحة ومباشرة في مفرداتها التي تقول «إليك.. مع التحية»، ولكنها مفتوحة ومبهمة وشاملة في عنوانها لتحديد المهدى إليه، فهل يكون المقصود قارئ هذه المجموعة يا ترى أم هو أحد غيره؟ وقد ظهرت على الغلاف الخلفي للمجموعة شهاداتان حول مجموعة «شبابيك» كتبهما ناقدان عربيان هما المغربي العربي بنجلون والأردني هاني أبو انعيم، أكدا فيهما أن مشّة يمتلك بكل إتقان أدواته الفنية للتعبير عن معاناة الإنسان العميقة التي يبثها من خلال جنسه الأدبي الزاخر بالمعاني والأريج.

وحين تصفحتُ «شبابيك» المهداة إلي من صديقي الشاعر الفلسطيني جميل حمادة، وجدتُ نفسي أسبح بين سطورها القليلة حتى التهمتها سريعاً دفعة واحدة مسجلاً بعض الملاحظات الانطباعية حول سياقها العام كما تراءى لي سواء المتعلق بالمضمون أو تركيبات بنائها اللغوي.

فنصوص «شبابيك» هي عبارة عن التقاطات سردية قصيرة لمشاهد حياتية سريعة عابرة ومواقف تتسرب في زمننا ولا نحس بها إلّا حين يقبض عليها غيرنا ويقدمها لنا باقة تحمل كل التنوع الجميل مثل الذي فاجأنا به محمد عارف مشّه، فنظل ننجذب إليها مبهورين للوهلة الأولى، ثم ندرك أنها مرت بنا ذات زمن غابر، وعشناها ذات لحظة فائتة ولكننا لم نكثرت بها، إلا أن الكاتب هنا برع فعلاً في التقاطها وتوثيقها بأدوات سردية مهنية لا تحمل ملل ورتابة المفردة ولا غموض الفكرة البائسة، بل ظلت تتراقص في الذهن كومضة خاطفة لنص من نصوص شعر «الهايكو» الياباني أو ما يعرف في الشعر العربي بقصيدة البيت الواحد التي التفت إليها مبكراً الأديب الليبي د.خليفة التليسي رحمه الله، وأثارها بشكل مبهر وأخاذ منذ عقود حين أصدر كتابه المميز «قصيدة البيت الواحد»، الذي أبرز فيه بلاغة ذاك البيت الشعري الوحيد كومضة يقول كل ما لديه دفعة واحدة بلا مقدمات ولا نهايات، ويمضي تاركاً بصمته وأثره القريب والبعيد في أعماق وجداننا، ومحركاً عقولنا للتدبر والتأمل في معناه ودلالاته ومقاصده.

في بعض نصوص «شبابيك» يظهر واضحاً أسلوب المخرج السينمائي الإنجليزي العالمي «ألفريد هيتشكوك» المباغث والمفاجئ، والصادم أحياناً لكل التوقعات التي قد يحملها المشهد، فتفاوتت ردود أفعالي تجاه ذلك وأنا أقلّب صحفات «شبابيك»، متنقلاً بين الابتسام والضحك والقهقهة حيناً، والألم والتأسي والأسف والذهول أحياناً أخرى، إلّا أنها تظل جميعها مكللة بالاعجاب والابتهاج لهذه القدرة الفائقة في الاثارة واستنطاق أحداث المشاهد الملتقطة وتحليلها بشكل مكثف وعميق.

ورغم أن الفضاء المكاني لكل النصوص كان حيزاً محدوداً جداً وضيقاً لا يتجاوز غالباً المقهى أو البيت إلا أنها لم تتخلَّ عن إحداث الدهشة بالحبكة الفنية المتقنة، حتى وإن تكرر ظهور بعض أدوات تأثيت النص مثل السيجارة والدخان وطيف المرأة في كثير منها. فمثلاً في القصة القصيرة جداً التي وردت بعنوان «رعب» يروي الأديب أقصوصته قائلاً: «سلخَ فروةَ رأسِ الخروف. وضعه في القدْر. استيقظ الخروف من نومه. ماتَ الرجل من الرّعب». إن هذا التصوير الانقلابي غير المتوقع يشكل مفاجأة صادمة للمتلقي تتوقف عندها حواسه ويظل مبهوراً بهذه الالتقاطة الافتراضية الجميلة، والخيال الخلاب بعيد المدى والمتسع لكل غريب ومثير ومبهر.

ومن التقنيات السردية الفنية التي واظب عليها الكاتب في «شبابيك»، استعمال صوت الراوي في الخطاب السردي بدلاً عن تسمية شخصيات معينة أو إجراء حوارات متنوعة لإيصال فكرة ورسالة النص، وهذا أمر تفرضه طبيعة مساحة النص المحدودة ونوعية الجنس الأدبي القصير جداً، فظل الكاتب متوارياً عن الظهور يبعث رسائلة المشوقة بخفة ولطافة وذكاء، ليذكرنا بأصوات مسرح العرائس التي يلعب فيها صوت الراوي دوراً مهماً في ترسيخ فكرة الرسالة المتحركة بذهن المتلقي.

كما إن السؤال ظل حاضراً في «شبابيك» بأدواته المتعددة (كيف، متى، لماذا، أين،...) منذ النص الأول «في المطعم» حين يتساءل القاص: «لماذا أختصِرُ فيكِ كلّ النساء؟»، ثم في نص «زواج» الذي يختتمه بقوله: «..منذ متى أنجبتِ كلَّ هؤلاء؟؟»، ثم يتواصل في نهاية نص «الملح الأسود» بقوله: «..أين طعام الغذاء يا أبي؟»، ثم في «صحوة» حين يقول: «من سرقني؟»، ثم في «هوس» الذي يتساءل فيه الراوي: «من أنا؟».

أما في «طيف» فيتساءل الكاتب في استهلال النص بقوله: «هل تسمح لي بمعانقتك؟»، ويختتم النص نفسه بالقول: «تُرى هل كنت هي؟». وفي نص «من قتل أبي؟» يتصدر السؤالُ عنوان النص ويختتمه بالقول: «أين أبي؟». وفي «الضفدع» يستغرب متسائلاً: «فكيف سيسعني؟»، وفي «حجر» يقول: «أتراهُ الحجر عظامُ طفلٍ شهيدٍ تكلّست؟». وإن كان السؤال في كل ما سبق يظهر في عنوان وخاتمة نص القصة القصيرة جداً، فإنه في «لماذا؟» يظهر في عنوان وأول سطر في النص حين يتساءل: «لماذا تلهث».

ولا شك إن للسؤال مهمة خطيرة في إدراك الحقيقة والوصول إلى درجة الاستمتاع القصوى عند مطالعة النص القصصي، تكمن في دق نواقيس الفكر للبحث والتأمل والتأويل، فهو أساس إدارة محركات التفكير في عقل القارئ حتى بعد مغادرة فضاء النص، حيث يظل ممسكاً به للتدبر والتوغل في مضمونه، وهذا ما يجعل رسالة النص الإبداعي تتفاعل في المتلقي وتبقى مؤثرة في فكره ووجدانه لفترة من الوقت تطول وتقصر تبعاً للموضوعات التي يفجرها التساؤل المطروح.

وحملت «شبابيك» تكراراً متنوعاً على مستوى المفردة الواحدة البسيطة، حيث وردت كلمة «ومضى» متكررة في «شعر البنات» و»الأب» و»كتم رغبته» و»ظل» و»حالة» وغيرها. وكذلك على مستوى العبارة المركبة، حيث تكررت عبارة «خرج البطل من القصة غاضباً محتداً»، حيث نجدها في مستهل «هروب» و»الخروج» أيضاً. بينما تكرر نص «لا شيء» برمته بشكل شبه كلّي متطابق ما عدا التصرف بإضافة عبارة قصيرة في خاتمة النص المكرر.

وإن كانت «شبابيك» جنساً أدبياً حديثاً وجديداً، فإن التراث القديم ظل حاضراً فيها من خلال استحضار الموروث الفلكلوري واقتباس التعابير الشعبية في نص «الصندل» والذي يورد القاص في مستهله: «طاق طاق طاقيّة... شبّاكين بعليّة». وفي المقابل برز تأثر الأديب بالتقنية الحديثة والإنترنت والتواصل الالكتروني بشكل واضح من خلال نص «فنجان قهوة» الذي يقول فيه: «قرأ في بريد زوجته الإلكتروني وهي تجلس بجواره: زوجي العزيز، قررتُ خلعك بلا أسباب. نظر إليها ثم كتب: قومي احضري لي فنجان قهوتي. بحثت في جوجل. أرسلت له صورة فنجان القهوة ساخناً».

أما نص القصة القصيرة جداً «شبابيك» التي جاءت المجموعة الصادرة باسمها فهو كالتالي: «تضع ساقاً على ساق، يبان بياض ساقيها، ضوء القمر يملأ الشرفة، تخفي البياض بردائها الأسود، ترفع خصلات من شعرها إلى الوراء بدلال، ترتشف من فنجان قهوتها، تمتصّ شفتيها ثانية، ينخلع قلب الولد، تشعل سيجارتها، تنفث الدخان نحوه، يغمض الفتى عينيه، وينام».

هذا النص يمثل التقاطاً وتصويراً متكاملاً لمشهد عادي تجتمع فيه أركان وشخوص عدة (المرأة والولد والقهوة والسيجارة والقمر)، وكذلك أطراف جسدية عدة (الساقان، الشفتان، العينان)، لتحرك جميعها مشاعر متعددة تتداخل بين الافتنان والحب والرغبة الشهوانية والحلم البريء والتي يلخصها القاص في خاتمة يترك فيها شبابيك الخيال عند القارئ مشرعة بلا حدود أمام ما هو أبعد وأغرب وأجمل وأحلى.

محمد عارف مشّة يؤكد في مجموعته «شبابيك» أن هذا الجنس السردي القصير والمكثف جداً مكتظ بالبلاغة والفن والذكاء والإبداع، ويثبت أيضاً من خلال نصوصه القصصية التي صاغها أنه فارس بارع يتقن أدواته الفنية ليستوطن وجدان القارئ وفكره ويحظى منه بالإعجاب والثناء.

شارك المقال:

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم