سرايا - يفتح ديوان «خوارزمية الروح: قصائد نثرية مُوَلَّدة بالذكاء الاصطناعي» للشاعر والباحث الدكتور حسام اللحام، الباب واسعاً أمام النقاشات الدائرة حول دور الذكاء الاصطناعي في الفنون، وحدود تدخله في العملية الإبداعية.
وما بين مؤيد يرى في هذا الذكاء فتحاً إبداعياً جديداً، ومتحفّظ يخشى على روح الشعر وطبيعته الإنسانية، يأتي «خوارزمية الروح» الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن (2026)، ليقدم تجربة لافتة تمهّد الطريق نحو أدبٍ تتجاور فيه الإنسانية والتقنية، في أفق إبداعي مفتوح لا يحده سوى الخيال، ويكون من أبرز التجارب الأدبية العربية التي تستثمر تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج الشعر، وتعيد طرح أسئلة الإبداع في العصر الرقمي.
ويعد هذا الديوان أول كتاب ورقي عربي لشعر تم توليده بتقنيات الذكاء الاصطناعي ما يمنحه حضوراً ثقافياً ومادياً لافتاً، ويؤشر إلى انتقال هذا النوع من التجارب من الفضاء الرقمي إلى الحقل الأدبي التقليدي؛ فالديوان يعتمد نموذجاً هجيناً لا يقوم على «التوليد الآلي الخام»، بل على ما يصفه اللحام بـ»الرؤية والتوجيه الأسلوبي»، حيث يتدخل الشاعر بوصفه مديراً للعملية الإبداعية، موجّهاً النصوص ومعدّلاً لها.
ويضم الكتاب الواقع في نحو 140 صفحة، مجموعة من قصائد النثر، تتوزع على عناوين ذات طابع تأملي وفلسفي، من مثل: «نشيد الكينونة»، و»العائد من ظلال التيه»، و»هدية النور»، و»كتاب الأرض المنسية»، تسعى جميعها إلى استكشاف مناطق عميقة في التجربة الإنسانية، كقضايا الروح والغيب والخلود، عبر أداة تبدو في ظاهرها منطقية بحتة، هي الخوارزمية، في مفارقة جمالية تلفت النظر.
ويؤكد د.ناصر شبانة في تقديمه للديوان أن هذه التجربة تندرج ضمن التحولات الكبرى التي عرفها الشعر العربي، معتبراً أن الجدل حول «شعر الذكاء الاصطناعي» لا يختلف عن الجدل الذي رافق ظهور قصيدة النثر أو الشعر الحر، وأن القيمة الحقيقية تكمن في النص ذاته لا في هوية منتجه، قائلاً: «إنّ شعر الذكاء الاصطناعي ليس بعيدا عن يد الإنسان؛ فهو منتَج إنساني في المقام الأوّل، فالآلة لا تصنع شعرا من تلقاء نفسها، إلا إذا طُلب منها ذلك، وكلّ قصيدة ينتجها الذكاء الاصطناعي يقف خلفها شاعر بشريّ يدير من وراء الكواليس خيوط القصيدة، وهو من أسمّيه: المُشغِّل أو المدير، أو الشاعر الظلّ، الذي يُحسِنُ السؤال، ويُحسِنُ الطلب، فيحصل على المراد بقدر اجتهاده، وحسن تأتّيه، واستعداده».
ولعل من أبرز ما يميّز هذا الديوان اعتماده على قصيدة النثر كقالب فني، وهو ما يُعدّ تحدياً حقيقياً للذكاء الاصطناعي، إذ لا تقوم هذه القصيدة على الوزن والقافية، بل على الإيقاع الداخلي وكثافة الصورة والتدفق الحر، ما يجعل نجاح التجربة في هذا الإطار إنجازاً نوعياً.
إلى جانب ذلك تحضر في النصوص الرموز التاريخية والدينية التي تم دمجها ضمن نسيج شعري حديث، وكذلك انفتاح الديوان على قضايا معاصرة في العالم العربي، حيث يقدّم نموذجاً لما يمكن تسميته بـالشعر الملتزم المولّد بالذكاء الاصطناعي، خاصة في تناوله للمأساة الفلسطينية. فنقرأ مثلا: «كلُّ حرفٍ يُمْحَى يَعودُ، كَغُصنِ زَيتونةٍ، وكلُّ صَفْحةٍ تُحرَقُ تُصبِحُ أُغنيةً، الدَّمُ الفِلسطينيُّ، يَنسِجُ أسماءَهُ على الرِّيحِ، وأَشباحُ الذينَ حاوَلوا، أنْ يُطفِئُوا النُّورَ تُطارِدُهم ذاكرةُ الأرضِ».
وعلى صعيد اللغة، يقدّم الديوان نموذجاً بارزاً في توسيع الحقل الدلالي، حيث تنجح الخوارزميات -بتوجيه إنساني- في إنتاج صور واستعارات مكثفة تتجاوز الفهم الحرفي للغة إلى مستويات مجازية عميقة، وهو ما يعكس قدرة هذا النمط من الكتابة على مقاربة الشعر الوجداني بأساليب جديدة.
ويطرح الديوان أيضاً تطبيقاً عملياً لنظرية «موت المؤلف»، إذ يواجه القارئ نصاً شعرياً يدرك مسبقاً أنه لا ينتمي إلى مؤلف تقليدي واحد، ما يدفعه إلى التركيز على النص بوصفه كياناً لغوياً مستقلاً، بعيداً عن السيرة الذاتية أو السياق الشخصي.
كما يؤسس هذا الديوان لمفهوم «الشاعر الظل» أو «المدير الأسلوبي» الذي يعيد تعريف دور الشاعر من كونه منتجاً مباشراً للنص إلى كونه موجّهاً وفاعلاً في تشكيله، في تفاعل مستمر مع قدرات الذكاء الاصطناعي، كما يفتح الباب أمام نمط جديد من التلقي، حيث يتحرر النص من سلطة المؤلف لصالح الجمالية الخالصة.
وبذلك، يمثّل هذا الديوان صرخة رياديّة في وادي الصمت الرَّقمي العربي، ممهِّدًا الطريق لنمط جديد من الإنتاج الثقافي الذي يتصالح مع الآلة دون أن يذوب فيها، وأوجه الريادة التي وسمت هذا العمل تجعل منه وثيقة تاريخيّة؛ ليس لكونه «الأوّل ورقيًّا فحسب»، بل لكونه الأكثر جرأة في طرح الأسئلة الوجوديّة من خلال وسيط تكنولوجي.
كما يفتح هذا العمل الباب أمام مستقبل تندمج فيه «بصيرة الحدس» الإنساني مع «منطق الخوارزميّة» الآلي؛ لإنتاج أدب يتجاوز حدود الذاكرة القاصرة للشاعر الفرد إلى آفاق المعالجة الفائقة للبيانات الثقافية الكبرى.
خوارزمية الروح .. أول ديوان شعري بالعربية تم توليده بتقنيات الذكاء الاصطناعي
منذ 59 دقيقة
المشاهدات :
6484
شارك المقال:
الأكثر قراءة
02
03
05
الأردن اليوم
“أصله من الكرك” .. الشيخ طراد الفايز يثير تفاعلاً بعد حديثه عن أصول خالد مشعل - فيديو
منذ 22 ساعة
آخر الأخبار
ثقافة
«تراتيل على هامش الحُبّ» .. محمد أبو كف يرتّل وجع القلب شعرًا
منذ 20 ساعة
ثقافة
أثر دبلوماسية الملكة رانيا العبدالله في تشكيل الرأي العام العالمي تجاه غزة .. رسالة ماجستير للباحثة حلا الخطيب في الجامعة الاردنية
منذ 6 أيام
ثقافة
الثقافة تعلن فتح باب التقدم لمشروع "ما وراء الإطار"
منذ 1 أسبوع
ثقافة
لراحة البال .. 12 عبارة تكتب وتردد كل صباح
منذ 1 أسبوع
أخبار فنية
فن
توبا بويوكستون تصل إلى مصر وتبدأ تصوير مشاهدها بمسلسل الأمير
منذ 51 دقيقة
فن
دوا ليبا تقاضي سامسونغ لهذا السبب وتطالب بتعويض خيالي
منذ 1 ساعة
فن
أحمد سعد يتألق في أولى حفلاته بعد انفصاله عن علياء بسيوني (صور)
منذ 1 ساعة
فن
لماذا غادرت حنان يوسف موقع تصوير مسلسل مصطفى شعبان؟
منذ 1 ساعة
فن
هدى حسين تعود إلى المسرح بـ "أميرة قلبي زين" في عيد الأضحى
منذ 9 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
الفيصلي للاعبيه: مكافآت مجزية في حال الفوز على الرمثا بكأس الاردن
منذ 33 دقيقة
رياضة
الوقت ينفد .. 5 أشياء تجبر عمر مرموش على قرار محمد صلاح التاريخي
منذ 55 دقيقة
رياضة
والد لامين يامال يرقص احتفالًا بلقب الدوري الإسباني (فيديو)
منذ 55 دقيقة
رياضة
نادٍ غني .. أول عرض سعودي يصل إمام عاشور بعد الموافقة على رحيله
منذ 56 دقيقة
رياضة
الصحف الرياضية: برشلونة يتوج بطلاً في الكلاسيكو .. وآرسنال ينجو من فخ وست هام
منذ 57 دقيقة
منوعات من العالم
منوعات من العالم
بعد اتهامها باختلاس 17 مليون جنيه .. مديرة مكتب برلماني مصري تفجر مفاجآت
منذ 39 دقيقة
منوعات من العالم
جراحة تتحول إلى فضيحة .. طبيب يستأصل كبد مريض بدل الطحال "بالخطأ"
منذ 47 دقيقة
منوعات من العالم
تحت حراسة مشددة .. وصول 14 إسبانياً من سفينة "هانتا" الموبوءة إلى مدريد
منذ 48 دقيقة
منوعات من العالم
"حرب المناشف" .. تعويض لسائح بسبب "أزمة كراسي المسبح" في اليونان
منذ 49 دقيقة
منوعات من العالم
"وهم الزجاج" .. قصة أغرب الظواهر النفسية في التاريخ
منذ 7 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات