تمر الشهور والأعوام، و تجتمع الدول و المنظمات،و تلتئم الأحلاف و التجمعات،و تغير الطائرات و الدبابات ، و لا زالت الحركات المتطرفة بأفكارها و إرهابها تلعب أدوارا بارزة في الساحة العربية.و لا زالت المجتمعات المسلمة منقسمة على نفسها بالسر والعلن . و في كل حادثة إرهابية للجماعات الإسلامية المتطرفة يسارع الكثيرون إلى القول: “ إن الإسلام براء من كل ذلك “ . هذا صحيح قطعا. ولكن العالم لا يتعامل مع “ الإسلام” الدين النقي الإنساني، وإنما يتعامل مع المسلمين بكل ما يحملون ديانتهم من أعباء. و يحكم على الأحداث من خلال أفعال وأقوال وأفكار المسلمين أفراداً أو جماعات، أحزابا أو تنظيمات. وما يجدد مخاوف العالم أن مرتكبي الإرهاب والتطرف و الجرائم البشعة ضد البشر والشجر والحجر، يفعلون ذلك بإسم الإسلام، وحسب زعمهم و إعلامهم تنفيذا لتعاليمه. ومن جهة ثانية فإن الجماعات والأحزاب و المؤسسات الإسلامية “المعتدلة “ تتردد إلى درجة الامتناع عن إدانة المنظمات
الإسلام كدين، لا يتحرك على الأرض بذاته ليصل إلى أمم العالم ، و إنما يصل من خلال من ينتسبون إليه و حسب سلوكياتهم. والإسلام لا يصطدم مع العقل أو الإنسانية ، ولكن الكثير من المسلمين يصدمون العقل والإنسانية بما يفعلون. و خلال العقود الماضية ازداد الفساد والمحسوبية والتخلف و التطرف والإجرام والتدمير والانقسام والاقتتال بين المسلمين أنفسهم. وازدادت شعوب أخرى كثيرة توحداً وتماسكاً وتقدماً ورقياً .
أن يذبح شاب مسلم مديره في المصنع في فرنسا، ويفجر شاب مسلم مسجداً في الكويت، و آخر في السعودية، وينسف شاب مسلم آخر فندقاً في تونس، وآخرون يدمرون متاحف في تدمر و العراق ومحطات قطار و أبراج كهرباء في مصر،وآخرون يقتلون 142 من الأبرياء في ملعب و مسرح في باريس وغير ذلك الكثير، كل ذلك تحت إسم الإسلام ، فهذا تراجع لم يكن يتخيله أحد. لماذا ؟؟ لأن عقول الشباب المرتكبين لهذه الفظائع، قد تم غسلها، ليعاد ملؤها بالإغراءات و الفتاوى المتطرفة التي لم تجد جرأة و إجماعا من العلماء و المؤسسات، في وقت مبكر و حتى الآن، على رفضها سراً وجهرا، و إعلان بطلانها، و حذفها من الكتب و المقررات و إغلاق أبواب التاريخ عليها. ولم ترفضها الأحزاب والجماعات في أدبياتها وتعاليمها و نشراتها وكتبها المؤسسية والتعليمية والحزبية. بل أن هذه الفتاوي وجدت طريقها إلى عقول الناشئة من خلال الكتب والإعلام و الثقافة الجماهيرية والتوجيه الخفي و الأموال و المنشورات و الإعلام و “الدعاة” و وسائط التواصل الإجتماعي .
كيف يستطيع العالم أن يتعامل مع المسلمين بثقة و اطمئنان، وهم لم يحدثوا حتى اليوم أي تغيير حقيقي لا في الفكر و لا في السلوك؟.. المسلمون يستنكرون الحدث فقط وبكل تردد وتلكؤ، ولكنهم لا يرفضون الفكر والفتوى وراء الحدث. و عند الحديث عن التجديد يقولون “ نعم أن الأحكام تتغير بتغير الزمان”، . حسنا. لماذا لا يقوم أهل الإعتدال أنفسهم بتغيير الأحكام والفتاوى وقد تغير الزمان ألف مرة عن ما كان في زمن الأئمة الأربعة؟ لماذا لا تكون الجرأة عند الإسلاميين المعاصرين فيعطوا المسلمين و العالم تعريفات وأحكاما جديدة تتوافق مع الوطنية والمواطنة والقانون الوطني و الدولي والإنساني،و غير ذلك الكثير ؟
وهكذا، بين إدارات حكومية متلكئة في الإصلاح الشامل الناجز، ومؤسسات مترددة في التجديد ، و زعامات تراهن على أوطانها،ودوائر دولية و أولها إسرائيل توظف التراجع العربي لمصالحها، و جماعات متطرفة تستمتع بالسيطرة و الجبروت، بين هذا و ذاك ،تضيع الشعوب والدول، ويتهاوى المستقبل ، وتزداد كراهية العالم للمسلمين. فهل يشهد عام 2016 بداية التغيير العميق في الفكر و السلوك، فتكون البراءة الحقيقية؟ و يكون الخلاص؟
الرجاء الانتظار ...