ليست المشكلة الأردنية اليوم في احتمال اتساع الحرب بين إيران وخصومهاولا في الهجمات التي تطال السعودية والمنشآت المدنية والاقتصادية في المنطقة فحسب المشكلة الأعمق أن الشرق الأوسط يعيد ترتيب موازين قوته تحت ضغط الناروأن الأردن قد يجد نفسه أمام نتائج استراتيجية لم يشارك في صنعهالكنه سيدفع جزءاً من أثمانها. حين تتعرض الرياض لهجمات جديدة وفق التطورات المعلنة في تشرين الأول لا يكون السؤال في عمّان عن المسافة بين العاصمتين، بل عن المسافة التي بقيت بين أمن الأردن وأمن إقليم باتت حدوده السياسية أضعف من أن تعزل تداعيات الصراع. فالدول لا تخسر دائماً حين تُهزم عسكرياً قد تخسر حين تتغير قواعد المنطقة ولا تكون مستعدة للتكيف معها.
الأردن يعرف أن الجغرافيا تمنحه أهمية استراتيجيةلكنها تفرض عليه أيضاً ضريبة لا تستطيع البيانات الدبلوماسية إلغاءها. فهو يقع عند تقاطع أزمات سوريا والعراق وفلسطين، ويرتبط أمنه باستقرار الخليج فيما تضعه علاقاته الدفاعية وشراكاته الدولية داخل حسابات أكبر من قدرته المنفردة على التأثير فيها. وإذا توسعت المواجهة مع إيران أو امتدت إلى طرق الطاقة والملاحة، فإن الخطر لن يكون بالضرورة اجتياحاً أو حرباً معلنة على الأراضي الأردنيةقد يكون ضغطاً متزامناً على الحدود والمجال الجوي والطاقة والتجارة، يختبر قدرة الدولة على إدارة أزمات متعددة من دون أن تفقد السيطرة على إيقاعها الداخلي. وقد أثبتت الهجمات الإقليمية السابقة أن بقاء الدولة خارج قرار الحرب لا يعني بقاءها خارج ميدان آثارها.
لكن نقطة الضعف الأكثر حساسية ليست عسكرية وحدهاإنها اقتصادية واجتماعية أيضاً. فبيانات البنك المركزي الأردني للربع الثاني من عام 2026 تُظهر بطالة عند نحو 21%وعجزاً في الحساب الجاري يقارب 458 مليون دينار في الربع نفسه، فيما تتجاوز الواردات السلعية الصادرات بفارق كبير. هذه الأرقام ليست إعلاناً عن انهيار، لكنها تشرح لماذا لا يستطيع الأردن التعامل مع حرب طويلة باعتبارها خبراً خارجياً. ارتفاع كلفة الطاقة والشحن والتأمين أو تراجع السياحة والاستثمار، يمكن أن يحوّل الصدمة الإقليمية إلى ضغط على الموازنة والأسعار وفرص العمل. وعندما يكون هامش المناورة الاقتصادية محدوداً، فإن الأزمة لا تُقاس فقط بحجم ما تخسره الدولة، بل بقدرتها على منع المواطن من دفع الثمن مضاعفاً. حسب بيانات البنك المركزي الأردني
فليس المطلوب من عمّان أن تختار بين الأمن والدبلوماسية، بل أن تمنع أي طرف من تحويل حاجتها إلى الاستقرار إلى نقطة ضعف. دعم السعودية في مواجهة الاعتداءات على سيادتها موقف مفهوم كما أن حماية المجال الجوي الأردني ومنع استخدام أراضي المملكة لتصفية الحسابات مصلحة وطنية لا تقبل المساومة. لكن ذلك يتطلب وضوحاً في قواعد التعامل مع التهديدات وتنسيقاً دفاعياً فعالاً، وقنوات اتصال تمنع سوء التقدير، وخطة طوارئ اقتصادية تُفعّل قبل أن تنتقل الأزمة إلى الأسواق. وقد أكدت الخارجية الأردنية في لقاءاتها مع الجانب الإيراني ضرورة وقف الاعتداءات واحترام سيادة دول المنطقة، بالتوازي مع الدعوة إلى الحوار. وهذه ليست ازدواجية في الموقف إنها محاولة لحماية الدولة من الانجرار إلى حرب لا تتحكم في نهايتها.
المفارقة التي يجب ألا تغيب عن صانع القرار أن إيران والسعودية والقوى الدولية تتحرك وفق حسابات النفوذ والأمن والمصالح، بينما يحتاج الأردن إلى أن يحسب أيضاً كلفة كل تطور على موازنته ومجتمعه واستقراره. لذلك لا تكفي مراقبة الصواريخ ولا انتظار ما ستقرره العواصم الكبرى المطلوب بناء قدرة وطنية على امتصاص الصدمات وحماية الإمدادات الأساسيةوصيانة الثقة العامة، وتحديد ما يمكن للأردن قبوله وما لا يمكنه السماح به. فالردع ليس في امتلاك السلاح وحده، بل في إقناع الآخرين بأن زعزعة الاستقرار الأردني لن تحقق لهم مكسباً، وأن الدولة قادرة على حماية مصالحها من دون مغامرة غير محسوبة.
المعركة الحقيقية للأردن ليست أن يثبت أنه بعيد عن الحرب، بل أن يمنع الحرب من إعادة رسم مستقبله من دون إرادته. قد لا تملك عمّان قرار إشعال المواجهة أو إيقافها، لكنه يملك قرار الاستعداد لها، وتحصين اقتصاده، وحماية مجتمعه، وإدارة علاقاته بما يصون استقلال قراره. وفي منطقة تتغير فيها موازين القوة بسرعة، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للأردن ليس أن يجد نفسه قريباً من النار بل أن يكتشف، بعد انطفائها، أن الآخرين رسموا شكل المنطقة الجديدة، وأن عليه دفع ثمنها من موارده واستقراره ومستقبل أبنائه.
الأردن يعرف أن الجغرافيا تمنحه أهمية استراتيجيةلكنها تفرض عليه أيضاً ضريبة لا تستطيع البيانات الدبلوماسية إلغاءها. فهو يقع عند تقاطع أزمات سوريا والعراق وفلسطين، ويرتبط أمنه باستقرار الخليج فيما تضعه علاقاته الدفاعية وشراكاته الدولية داخل حسابات أكبر من قدرته المنفردة على التأثير فيها. وإذا توسعت المواجهة مع إيران أو امتدت إلى طرق الطاقة والملاحة، فإن الخطر لن يكون بالضرورة اجتياحاً أو حرباً معلنة على الأراضي الأردنيةقد يكون ضغطاً متزامناً على الحدود والمجال الجوي والطاقة والتجارة، يختبر قدرة الدولة على إدارة أزمات متعددة من دون أن تفقد السيطرة على إيقاعها الداخلي. وقد أثبتت الهجمات الإقليمية السابقة أن بقاء الدولة خارج قرار الحرب لا يعني بقاءها خارج ميدان آثارها.
لكن نقطة الضعف الأكثر حساسية ليست عسكرية وحدهاإنها اقتصادية واجتماعية أيضاً. فبيانات البنك المركزي الأردني للربع الثاني من عام 2026 تُظهر بطالة عند نحو 21%وعجزاً في الحساب الجاري يقارب 458 مليون دينار في الربع نفسه، فيما تتجاوز الواردات السلعية الصادرات بفارق كبير. هذه الأرقام ليست إعلاناً عن انهيار، لكنها تشرح لماذا لا يستطيع الأردن التعامل مع حرب طويلة باعتبارها خبراً خارجياً. ارتفاع كلفة الطاقة والشحن والتأمين أو تراجع السياحة والاستثمار، يمكن أن يحوّل الصدمة الإقليمية إلى ضغط على الموازنة والأسعار وفرص العمل. وعندما يكون هامش المناورة الاقتصادية محدوداً، فإن الأزمة لا تُقاس فقط بحجم ما تخسره الدولة، بل بقدرتها على منع المواطن من دفع الثمن مضاعفاً. حسب بيانات البنك المركزي الأردني
فليس المطلوب من عمّان أن تختار بين الأمن والدبلوماسية، بل أن تمنع أي طرف من تحويل حاجتها إلى الاستقرار إلى نقطة ضعف. دعم السعودية في مواجهة الاعتداءات على سيادتها موقف مفهوم كما أن حماية المجال الجوي الأردني ومنع استخدام أراضي المملكة لتصفية الحسابات مصلحة وطنية لا تقبل المساومة. لكن ذلك يتطلب وضوحاً في قواعد التعامل مع التهديدات وتنسيقاً دفاعياً فعالاً، وقنوات اتصال تمنع سوء التقدير، وخطة طوارئ اقتصادية تُفعّل قبل أن تنتقل الأزمة إلى الأسواق. وقد أكدت الخارجية الأردنية في لقاءاتها مع الجانب الإيراني ضرورة وقف الاعتداءات واحترام سيادة دول المنطقة، بالتوازي مع الدعوة إلى الحوار. وهذه ليست ازدواجية في الموقف إنها محاولة لحماية الدولة من الانجرار إلى حرب لا تتحكم في نهايتها.
المفارقة التي يجب ألا تغيب عن صانع القرار أن إيران والسعودية والقوى الدولية تتحرك وفق حسابات النفوذ والأمن والمصالح، بينما يحتاج الأردن إلى أن يحسب أيضاً كلفة كل تطور على موازنته ومجتمعه واستقراره. لذلك لا تكفي مراقبة الصواريخ ولا انتظار ما ستقرره العواصم الكبرى المطلوب بناء قدرة وطنية على امتصاص الصدمات وحماية الإمدادات الأساسيةوصيانة الثقة العامة، وتحديد ما يمكن للأردن قبوله وما لا يمكنه السماح به. فالردع ليس في امتلاك السلاح وحده، بل في إقناع الآخرين بأن زعزعة الاستقرار الأردني لن تحقق لهم مكسباً، وأن الدولة قادرة على حماية مصالحها من دون مغامرة غير محسوبة.
المعركة الحقيقية للأردن ليست أن يثبت أنه بعيد عن الحرب، بل أن يمنع الحرب من إعادة رسم مستقبله من دون إرادته. قد لا تملك عمّان قرار إشعال المواجهة أو إيقافها، لكنه يملك قرار الاستعداد لها، وتحصين اقتصاده، وحماية مجتمعه، وإدارة علاقاته بما يصون استقلال قراره. وفي منطقة تتغير فيها موازين القوة بسرعة، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للأردن ليس أن يجد نفسه قريباً من النار بل أن يكتشف، بعد انطفائها، أن الآخرين رسموا شكل المنطقة الجديدة، وأن عليه دفع ثمنها من موارده واستقراره ومستقبل أبنائه.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات