حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأربعاء ,28 سبتمبر, 2022 م
طباعة
  • المشاهدات: 29767

ثلاث رسائل من غادة السمان إلى توفيق صايغ

ثلاث رسائل من غادة السمان إلى توفيق صايغ

ثلاث رسائل من غادة السمان إلى توفيق صايغ

12-07-2014 11:02 AM

تعديل حجم الخط:

سرايا -

سرايا - مراسلات الشعراء والأدباء باب ممتع من أبواب الأدب والتاريخ الأدبي، فالرسائل تكشف، في ما تكشف، جوانب من شخصية الأديب من الصعب رصدها من خلال النصوص وحدها، وربما تفضح، في بعض الأحيان، أموراً خفية ما كان الأديب يرغب في الإفصاح عنها. وقد عرف الأدب العربي، قديمه وجديده، هذا الضرب من الكتابة، واشتهرت في هذا الحقل رسائل الجاحظ وعبد الحميد الكاتب وغيرهما. وفي العصر الحديث أثارت رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة موجة عاتية من التفسير والتأويل. كذلك كشفت الرسائل المتبادلة بين أنور المعداوي وفدوى طوقان قصة حب لطيفة بين «العاشقَين» مع أنهما لم يلتقيا قط. أما أكثر الرسائل التهاباً، والتي أثارت عاصفة من النقد والسجال والكلام، فكانت رسائل غسان كنفاني إلى الأديبة السورية الكبيرة غادة السمان. ومن حسن المصادفات أن توفيق صايغ، هذا الشاعر السوري الفلسطيني المتفرد الذي أحرق رسائل ملهمته «كاي» بعدما كتب لها قصيدته المشهورة «من الأعماق صرخت إليك يا موت» (1960)، احتفظ ببعض رسائل غادة السمان إليه، وبرسائله إليها، الأمر الذي منحنا لذة الكشف عن هذه المطمورات. وتوفيق صايغ هو شاعر البراءة والخيبة والمرارة، وشاعر المنفى والاغتراب. مرَّ بهذه الدنيا كأنه في أرجوحة، وطوّحته أقداره في أماكن شتى، وتقلب بين نساء كثيرات، لكنه عاش وحدته الصاخبة بين مريمين: والدته، وهي مريم النعيم والهدوء، وحبيبته «كاي» وهي مريم الجحيم ونيرانه المستعرة. وبين مريم الروح ومريم الجسد تناثرت قصائده كغناء صاعد من الجحيم.


بين يدينا بعض الرسائل المتبادلة مع غادة السمان، ننشر الآن هنا ثلاثاً منها فقط.
I
19/2/1967
Foyer Le Nef
10 Rue de Richelieu, Paris I
توفيق العزيز
الليلة، أشعر بمرارة لأنني لا أستطيع أن أمسك بسماعة أي هاتف، وأُدير رقمك فأسمع صوتك... وقد حاولت ذلك هنا قبل دقائق، لكن الهاتف ظل صامتاً معلناً احتجاجه على نقص الرقم (السابع). لم يفهم ما كنتُ أعنيه!!.. فهناك عشرات الأشياء التي أود أن أرويها لك... لك أنت بالذات لأنني أعرف أنها من النوع الذي يروق لك..
بدأت يومي بمغامرة طريفة حقاً، وإن لم تخلُ من الإزعاج... خرجت من ألـ Foyer صباحاً واتجهت نحو محطة نوتردام للمترو. وقفت في طريقي أمام تمثال لفولتير، نصب أقيم من أجله ولا أدري لمَ فكرتُ بالعناء الذي تلقاه أنت وكل من اتخذ من القلم سبيلاً للتعبير عن إنسانيته. وفجأة أحسست برجل يحتضنني بطريقة قذرة، وتملصت وقد عقدت الدهشة لساني، وعجزت عن التفوّه بكلمة، وفوجئت بصبي في السادسة عشرة من عمره حتماً، في حالة غير طبيعية... ولم أجد يدي إلا ممتدة نحو وجهه. ضربته بقسوة، فركض وركضت خلفه وكان الشارع حينما ركضت مقفراً إلا من سائق تاكسي يدخن بهدوء متأملاً المشهد. توقفت أمامه وقلت له بفرنسية مهشمة: «إفعل شيئاً»... ظل صامتاً متبلداً مدخناً بكسل.. قلت له، كما لو كنت أحدث نفسي: «يجب أن يقبض البوليس عليه... إنه مجنون». فأجابني بصوت بليد وشديد القناعة بما يقول: «ولكنني لست البوليس»!! ورغم ارتجافي وغضبي انفجرت ضاحكة وقلت له بمنتهى التهذيب: «إني آسفة يا سيدي... ظننتك كذلك». ولو كنتَ هناك لضحكت كثيراً، فأنا أعرف كم تروق لك أجوبة كهذه حتى ولو كنتُ أنا مسرحها.
هذا يومي الأول في باريس. الأحد. والمطر لم ينقطع لحظة واحدة منذ غادرت بيروت.. لقد رافقني البارحة صباحاً إلى المطار، ولاقاني في مطار باريس وظل طوال الليل ينقر نافذتي المغلقة.. وقد سرتُ طويلاً، وبين «ساحة النجمة» وساحة «كونكورد» كان الحمام يقفز حولي بكثير من الحيوية.. وكانت تمطر فوق شعري المبتل المضحك.. وأحسستُ براحة عميقة وراحة لا حد لها.. إني أتحرك هنا تحت المطر أو الشمس دون أن يرصدني أولاد الحلال بحثاً عن دليل إضافي عن جنوني. وفكرت: لو كنتَ معي، كم كان «حوارنا» هنا بسيطاً وسهلاً ومريحاً (أعني كم كان من الممكن أن يكون)... لو...
وبعد، إلى اللقاء أيها «الرجل المقطّر في صوت» وفي رسالة.
(غادة)


لمتابعة وكالة سرايا الإخبارية على "فيسبوك" : إضغط هنا

لمتابعة وكالة سرايا الإخبارية على "تيك توك" : إضغط هنا

لمتابعة وكالة سرايا الإخبارية على "يوتيوب" : إضغط هنا






طباعة
  • المشاهدات: 29767

إقرأ أيضا

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم