سرايا - ((في هذا الجزء، والأجزاء القادمة، سأنشر حواريات، ذات طابع تفاعلي وأدبي، تبادلتها مع مجموعة من الصديقات والأصدقاء. كنّا قد التقينا ذات يوم بعيد، وكان يجمعنا هذا الفضاء الأزرق بهالته الفريدة، وسط شغف مشترك بالنصوص، وولع لا يوصف بمتعة التفاعل معها.
حواريات «حكي»، هي جزء منّا ومن أيامنا، أنثرها هنا لتظل شاهدة علينا، أعيد تدوينها قبل أن تذروها عواصف النسيان وتندثر. شذرات خاطفة، عابقة بفوحها الآدمي، كأنما خطّها أصحابها بالأمس القريب، لا قبل عقد ونيف من الزمان))
(«ميرميد».. وَمَا شَيَّدَتْهُ العَرَائِسُ البَتولُ/ نَاصِرُ الرِّيْمَاوِي):
كَمْ أَحْبَبْتُ عَمَّانَ مِنْ خِلَالِ عَيْنَيْهَا..!
وَأَحْبَبْتُ هَذَا المَكَانَ لِأَجْلِهَا، هَذَا مَا شَيَّدَتْهُ العَرَائِسُ البَتولُ عَلَى حَافَةِ السَّفْحِ المُطِلِّ مِنْ دُمُوعِ اللَّيْلَةِ الأَخِيرَةِ قَبْلَ الزِّفَافِ، كُنَّا نَطُلُّ مِنْهُ عَلَى بُيُوتِ القَاعِ فِي وَسَطِ المَدِينَةِ، أَجْرِي الآنَ فِيهِ عَبْرَ المُنْحَدَرِ مُذْعُورًا، يَتَلَقَّفُنِي مَشْفَى «اللُّوزْمِيلَا» لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، ظِلَالُهُ المُوْحِشَةُ شُرْفَةٌ تَسْتَلْقِي عَلَى كَتِفِ الجَبَلِ.
«اللُّوَيْبِدَةُ» جَبَلُ الأَرْوَاحِ العَاثِرَةِ، لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ القَسْوَةِ يَا حَبِيبَتِي، لَكِنَّهُ الآنَ كَذَلِكَ، فِي الغُرْفَةِ المُنْفَرِدَةِ أَقْصَى المَمَرِ، وَعَلَى سَرِيرٍ جَلَّلَتْهُ مَلَاءَاتٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، كُنْتُ أَطِيلُ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِي فِي تُرَابِ قَدَمَيْهَا وَأَنَا أُعِيدُ إِلَيْهِمَا الغِطَاءَ. الجَسَدُ المَسْحُورُ، خَائِرٌ.. يَسْتَلْقِي فِي سَلَامٍ، حَتَّى بِمَسْحَتِهِ الشَّاحِبَةِ وَتَجَلُّدِ المَلَامِحِ وَجْهُهَا يُنَافِسُ البِلَّوْرَ. هَذِهِ الأَنَابِيبُ الدَّقِيقَةُ إِلَى أَيْنَ تَصِلُ وَهِيَ تَخْرِقُ جَوْفَهَا المُعَطَّرَ بِأَنْفَاسِ الجَنَّائِنِ، لَهَفَ نَفْسِي، مَا الَّذِي جَرَى وَيَجْرِي لَهَا.. وَمُنْذُ أَنْ طَبَعْتُ قُبْلَتِي الأُولَى وَرَسَمْتُ بِأَنَامِلِي خُطُوطًا خَفِيَّةً لِلْوَجْدِ عَلَى ذَلِكَ الجَسَدِ النَّقِيِّ؟
(أنشودة على وتر «ميرميد»/ الشاعر عبدالسلام العطاري):
الكِتَابَةُ فِعْلٌ شَقِيٌّ عِنْدَمَا تَكُونُ كَفَتَاةٍ مُوَرَّقَةٍ وَابْتِسَامَتُهَا زَهْرَةُ قَنْدُولٍ فِي رَبِيعٍ مُبْكِرٍ، مُوْغِلَةً بِإِثَارَةِ تَفَتُّحِهَا المُكْتَحِلَتَيْنِ بِأَثْمَدٍ اجْتَبَتْهُ رَبَّةُ القَمَرِ لِسَهْرَةٍ عَاشِقَةٍ لِتَتَوَاطَأَ النَّفْسُ الأَمَّارَةُ بِالشَّهَوَاتِ لِتُرَاكِضَ فِعْلَ قَطْفِ كَرْمٍ نَافِرٍ تَحْتَ سِيَاجٍ مِنْ دُمُسْتُقِ الجَنَانِ، فَتَنْتَحِلُ الشَّهْوَةُ فِعْلَ الكَلَامِ لِتَكْشِفَ عَنْ صَدْرِهَا شَقَاوَةَ حَرْفٍ تَدَلَّى مِنْ عُنُقٍ فَارِعٍ أَرْخَى بَيَاضَهُ فَأَمْطَرَ حُقُولَ الرَّغْبَةِ.. بِالرَّغْبَةِ.
وَالْكِتَابَةُ فِعْلُ قُنُوتٍ سَاكِنٍ فِي هَزِيعِ اللَّيْلِ الأَخِيرِ؛ عِنْدَمَا تَكُونُ قَدَسِيَّةُ الكَلِمَاتِ تَحْتَرِفُ فِعْلَ النُّبُوءَةِ لِتَتَنَزَّلَ المَعَانِي قِصَصَ أَتْقِيَاءَ فَيَرْشِقُونَهَا بِإِفْكٍ تُغْرِي القَدَسِيَّةَ بِفِتْنَةِ مَاءٍ اغْتَسَلَ بِحَرْفِ كَعْبٍ مَصْقُولٍ بِالغَوَايَةِ، لَحْظَتَهَا نَكُونُ عَلَى خَيْطِ النَّارِ وَالنُّورِ.
إِنْ شَمْأَلَتْ بِنَا كَانَتِ الجَحِيمُ تَكْشِفُ عَنْ نَهْدَيْهَا، وَإِنْ تَيَمَّنَتْ كَانَتْ عَيْنَاهَا وَالحُورُ يَسْكَبُ إِثَارَتَهُ فَتَدِفُقُ الشِّفَتَيْنِ بِقُبْلَةٍ مُجْمَرَةٍ بِنَارِهَا، مُتَوَقِّدَةٍ بِنُورِهَا، فَاسْتَعْجَلَ النَّصَّ فَتَسْبَقَنِي الذَّاكِرَةُ، فَكُنْتُ طِفْلًا بَيْنَ وَسَطِ البَلَدِ وَطُلُوعِ اللَّوَيْبِدَةِ، فَنَهَرَتْنِي هِيَ (الذَّاكِرَةُ) فَنَهَضْتُ وَكُنْتُ أُعِيدُ دَوْرَتِي عَلَى «دُوَارِ بَارِيسَ» لِأَنْتَظِرَ بَعْضَ الأَصْدِقَاءِ عَلَى فِنْجَانِ قَهْوَةٍ كَانَ يَنْتَظِرُنَا فِي (رَكْوَةِ عَرَبٍ) جَاءَ فِنْجَانُ القَهْوَةِ وَلَمْ يَأْتِ الأَصْدِقَاءُ / / شَرِبْتُ سِيجَارَةَ الوَقْتِ وَفِنْجَانَ الأَزَلِ وَمَضَيْتُ دُونَ فَاتُورَةِ الحِسَابِ وَعُدْتُ لِأَصْعَدَ مِنْ جَدِيدٍ فَكَانَ النَّشِيدُ عَلَى وَتَرِ «مِيرْمِيد».
(اللويبدة و»ميرميد».. وفخ القصص المؤلمة / أ. ناهد البكري):
هَذَا مَا شَيَّدَتْهُ العَرَائِسُ البَتُولُ عَلَى حَافَةِ السَّفْحِ المُطِلِّ مِنْ دُمُوعِ اللَّيْلَةِ الأَخِيرَةِ قَبْلَ الزِّفَافِ، كُنَّا نَطُلُّ مِنْهُ عَلَى بُيُوتِ القَاعِ فِي وَسَطِ المَدِينَةِ»..
حَدَّثَنِي القَاصُّ «نَاصِرُ الرِّيْمَاوِي» بِهَذَا وَأَنَا صَدَّقْتُهُ، رَاوَغَنِي كَعَادَتِهِ وَهُوَ يَجْتَرُّ أَحْدَاثًا مُؤْلِمَةً لِقَصَصِهِ، ذَلِكَ المَسَاءَ كَانَتِ الرِّيَاحُ بَارِدَةً وَعَمَّانَ تَرِفُّ بِأَجْنِحَةِ الغَوَايَةِ وَتَغْلِي فِي رَأْسِي.
مُنْذُ «دُبَيّ» وَأَنَا أَحْمِلُ اعْتِرَافًا «لِمِيرَا» – بِطَلَةِ القِصَّةِ – نِيَابَةً عَنْ ذَلِكَ الرَّاوِي الَّذِي تَوَارَى مَعَ الخَاتِمَةِ، جَاءَ صَوْتُ «نَاصِرٍ» مُكَهْرَبًا عَبْرَ هَاتِفِي النَّقَّالِ وَأَنَا أَرْتَجِفُ خَلْفَ مَقْوَدِ السَّيَّارَةِ، لِيَنْثُرَ بَعْضَ الدِّفْءِ: «مَجْنُونَةٌ أَنْتِ.. لَيْسَ «لِمِيرَا» وُجُودٌ إِلَّا فِي رَأْسِي.. وَرَأْسِكِ.»
بِمَا تَبَقَّى مِنْ وَقْتٍ قَلِيلٍ قَبْلَ السَّفَرِ سَأَزُورُ «جَبَلَ اللَّوَيْبِدَةِ».. جَبَلَ الأَرْوَاحِ العَاثِرَةِ، هَكَذَا أَسْمَاهُ نَاصِرٌ فِي قِصَّتِهِ «مِيرْمِيد» وَأَنَا تَأَلَّمْتُ حِينَئِذٍ.
«نَاصِرٌ» يُرَاوِغُ وَيَحْتَالُ حِينَ أُعِيدُ عَلَيْهِ السُّؤَالَ: كَيْفَ لِلْقِصَّةِ أَنْ تَنْتَهِيَ بِلَا إِجَابَةٍ، لِتُتْرِكَنِي أَحْلِقُ وَحِيدَةً فِي فَضَاءِ التَّكَهُّنَاتِ؟ هَلْ كَانَتْ «مِيرَا» عَرُوسَ بَحْرٍ، أَمْ إِنَّهَا مَحْضُ فَتَاةٍ بَائِسَةٍ مِنَ البَشَرِ؟ أَمْ هُوَ انْحِيَازُكَ لِوَاقِعٍ غَامِضٍ؟ فَحِينَ تُظْلِمُ الحَيَاةُ أَحَدًا، يُظْلِمْهُ كُلُّ شَيْءٍ، «مِيرَا» ظَلَمَتْهَا الأَقْدَارُ فِي شَخْصِيَّةِ الرَّاوِي حِينَ أَحَبَّتْهُ، تَخَلَّى عَنْهَا شُعَرَاءُ الحُبِّ فِي مَقْهَى «رَكْوَةِ عَرَبٍ»، وَكُتَّابُ أَعْمِدَةِ الصُّحُفِ المَحَلِّيَّةِ حِينَ أَدَارَتْ لَهُمْ قَلْبَهَا.
كُنْتَ تُظْلِمُهَا أَنْتَ كَكَاتِبٍ وَرُحْتَ أَمَامِي تَدَّعِي الحِيَادَ، قُلْتَ لِي يَوْمَئِذٍ: «أَنَا أَمْضِي خَلْفَ رُؤْيَتِي لِلأَمْرِ فَقَطْ»، وَأَنَا صَدَّقْتُكَ.. أَلَمْ تَتَمَادَ فِي رُؤْيَاكَ، حَتَّى فَارَقَهَا الجَمِيعُ؟ أُسْتَاذُهَا «جَادٌ» وَالَّذِي أَحَبَّ فِيهَا شَبَابَهُ الغَابِرَ، صَدِيقَتُهَا «رَبِيعَةُ» وَالَّتِي رَحَلَتْ نَحْوَ أُسْطُورَةٍ أَكْثَرَ نَفْعًا، حَبِيبُهَا الرَّاوِي وَالَّذِي تَخَلَّى لِشَكٍّ أَنْتَ افْتَعَلْتَهُ مِنْ خِلَالِ حَبْكَةٍ مُؤْلِمَةٍ.
تَخُونُهَا الصِّحَّةُ فَيَعْتَلُّ مِنْهَا الجَسَدُ، لَكِنْ قَلْبَهَا ظَلَّ مُعَافًى، أَلَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِكَ اجْتِنَابُ عَقْلِهَا وَوَعْيِهَا لِيَرْجَحَ القَلِيلُ مِنْ ضَعْفِهَا بَيْنَ أَحْضَانِهِ؟ وَأَنْتَ الَّذِي أَوْقَعْتَهَا بِذَنْبٍ لَمْ تَرْتَكِبْهُ، أَلَا يَحْلُو لَكَ التَّبَاهِي بِقَلَمٍ أَقَلَّ قَسْوَةً؟
فِي خَمْسِينَ دَقِيقَةً، هِيَ كُلُّ مَا لَدَيَّ مِنْ وَقْتٍ.. سَأَبْحَثُ عَنْ «مِيرَا» وَ»فِيلَا مِيرْمِيد» عِنْدَ السَّفْحِ فِي «جَبَلِ اللَّوَيْبِدَةِ»، لِأُفْضِيَ لَهَا بِحَقِيقَةٍ أَدْرَكْتُهَا بَعْدَ الخَاتِمَةِ، بِاعْتِرَافٍ عَلَى لِسَانِ حَبِيبِهَا، لِأَنْتَزِعَ التَّفَاصِيلَ الَّتِي عَذَّبَتْنِي مِنْ شَرَايِينِي وَأُلْقِيَ بِهَا بَعِيدًا، لِأَسْتَرِدَّ حُرِّيَتِي، لِأُقْسِمَ عَلَى يَدَيْهَا بِأَنِّي لَنْ أَعُودَ لِلْخَوْضِ فِي التَّفَاصِيلِ بَعْدَ قِرَاءَةِ القِصَصِ، وَلِأَصِفَ لَهَا كَمْ آلمَتْنِي حِينَ اخْتَفَتْ.
(في الطريق إلى اللويبدة / الشاعرعبدالسلام عطاري):
كيْفَ لِي أَنْ أَصْعَدَ إِلَى «جَبَلِ اللَّوَيْبِدَةِ» وَأَبْحَثَ هُنَاكَ عَنْ «مِيرَا»، بَطَلَةِ القِصَّةِ، وَفِيلَا «مِيرْمِيد» حَيْثُ تَقِيمُ.. دُونَ أَنْ أَحْمِلَ قَهْوَةً مِنْ بَائِعٍ يُمْطِرُنِي مُنَادَاةً فِي «سَقْفِ السَّيْلِ» لِيَرْتَدَّ صَدَاهُ فِي شَارِعِ «بِسْمَانَ» وَيَمْضِيَ خَلْفَ لَهَاثِي شَذَا طِيبِهِ المُعَشَّقِ بِقَهْوَتِهِ.
كَيْفَ لِي أَنْ أَصْعَدَ دُونَ أَنْ تَتْبَعَنِي أَسْوَاقُ الحِكَايَاتِ بِزَعْتَرِهَا؛ بَعْضُهُمْ كَانَ يَقُولُ إِنَّهَا مِنْ تِلالِ ضَفَّةِ نَهْرٍ شَقِيَّةٍ، هَذَا مَا كَانَ يَتَضَحَّى بِطَعْمِهِ الحَرَّاقِ وَلَسْعَتِهِ الحَادَّةِ.
أَصْعَدُ، وَتَصْعَدُ مَعِي صَرْخَاتُ البَاعة كُلِّهِمْ؛ بِسْطَةُ الجَوْرَبِ وَالقُمُصَانِ الثَّائِرَةِ مَا بَيْنَ جِيفَارَا وَالصَّارِخَةِ بِمَايْكَلْ جَاكْسُون وَأَبْطَالِ تِلِفَزَةٍ وَقِصَصٍ وَحِكَايَاتٍ؛ بِسْطَةُ العِطْرِ المُنَادِدِ لِأَسْمَاءِ مَارَكَاتٍ فِي (الشَّانْزِيلِيزِي). كُلُّهَا جِيءَ بِهَا إِلَى سَاحَةِ (الحُسَيْنِيِّ) لِيَخْتَلِطَ عِطْرُهَا بِعِطْرِ التَّرَانِيمِ وَالدُّعَاءِ.
أَصْعَدُ، وَتَمْضِي مَعِي كُوفِيَّاتٌ حَمْرَاءُ وَسُمْرَاءُ وَأَثْوَابٌ اخْتَلَطَ بِهَا خَيْطُ البَادِيَةِ بِخَيْطِ السَّاحِلِ الغَرْبِيِّ وَلَوْنِ النَّبِيدِ وَأُرْجُوَانِ كَنْعَانَ.
أَصْعَدُ حَثِيثًا وَمَعِي كُلُّ الأَصْوَاتِ؛ بَائِعُ الخَضْرَةِ وَالبِسْطَةِ؛ بَائِعَةُ السَّرَاوِيلِ وَالأَحْذِيَةِ؛ بَائِعُ الكُتُبِ القَدِيمَةِ وَالصَّبِيِّ الهَارِبِ مِنْ مَدْرَسَةٍ أَغْلَقَتْ أَبْوَابَهَا فَهَبَطَتْ بِأَسْوَارِهَا لِقَفْزَتِهِ القَصِيرَةِ.
أَصْعَدُ، وَتَلْحَقُنِي طُفُولَةُ «الأَشْرَفِيَّةِ»، وَحَيِّ «الأَرْمَنِ» وَدُكَّانِ «الرَّمْحِيِّ» وَ»أَسْعَدَ» وَكَرَابِيجِهِ الحَلَبِيَّةِ.
أَصْعَدُ، وَطَعْمُ كَعْكِ السِّمْسِمِ المُغَمَّسِ بِفِلَافِلِ «فُؤَادَ» وَفُولِ «هَاشِمَ» وَطَرَاوَةِ اليَدَيْنِ بِزَيْتِهِ البَاقِي.
أَصْعَدُ، وَيَصْعَدُ مَعِي دُخَانُ سِيجَارَةٍ مُهَرَّبَةٍ وَبَائِعُهَا الضَّرِيرُ يَتَحَسَّسُ نِصْفَ الدِّينَارِ وَالعَشَرَةَ الزَّائِدَةَ يَفْرُكُهَا بِأَصْبُعَيْهِ.
أَصْعَدُ مِنْ جَوْقَةِ قَاعِ المَدِينَةِ وَوَسَطِهَا العَاشِقِ لِلـ (سِنْتْرَال وَالجَامِعَةِ وَالبُرْجِ). لِآخُذَ نَفَسًا عَمِيقًا فِي «رَكْوَةِ عَرَبٍ» وَصَوْتًا مِنْ مَقَاهِي الشِّعْرِ وَالقَصِيدَةِ.
أَصْعَدُ وَأَطِيرُ حَيْثُ يَطِيرُ حُلْمُ طُفُولَتِي وَالذَّاكِرَةِ الَّتِي لَا تَشِيخُ.
يَا لِلْخَمْسِينَ دَقِيقَةً يَا «مِيرْمِيد» كَمْ شَرَّعْتِ نَوَافِذَ تُطِلُّ عَلَى شَيْخُوخَةِ القَلْبِ وَالعُمُرِ فِي رَبِيعٍ نَشْتَاقُهُ.
(اللويبدة.. في البحث عن «ميرا» / أ. ناهد البكري):
كلُّ البُيُوتِ تَشَابَهَتْ لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى ثُمَّ تَنَافَرَتْ، قِمَمُ الْأَشْجَارِ الْعَالِيَةِ وَحْدَهَا تَتَعَانَقُ فِي اهْتِزَازٍ رَتِيبٍ، وَلَا تَجْلِبُ نَحْوِي لَحْنًا شَجِيًّا «لِرَمّ» وَلَا أَيُّ لَحْنٍ آخَرَ لِطَارِقِ النَّاصِرِ، كَيْ أَسْتَدِلَّ عَلَيْهَا، هَبَطَ الْمَسَاءُ بَاكِرًا فَأَيْقَظَ مِنِّي الْهَوَاجِسَ، رِيَاحٌ خَفِيفَةٌ أَخَذَتْ تَكْنُسُ الطُّرُقَاتِ الْوَادِعَةَ فِي حَضْنِ الْجَبَلِ، خَشِيتُ أَنْ تَعْوِيَ عِنْدَ مُنْعَطَفَاتِهِ فَتَزِيدَنِي وَحْشَةً.
طَالَعَنِي مَشْفَى «اللُّوزْمِيلَا» بِأَنْوَارِهِ وَأَنَا أَهْبِطُ الْمُنْحَدَرَ، فَأَيْقَنْتُ بِأَنِّي وَطَأْتُ أَرْضَ الْحِكَايَةِ.
تَدَلَّيْتُ وَأَنَا أَتَشَبَّثُ بِسُطُورِ الْقِصَّةِ أَنْزَلِقُ خَلْفَ فُصُولِهَا بِسَلَاسَةِ الْوَصْفِ، تُطِلُّ وُجُوهٌ بِمَلَامِحَ شَتَّى مِنْ خَلْفِ زُجَاجِ النَّوَافِذِ، تَنْظُرُ نَحْوِي بِغَرَابَةٍ، اسْتَوْقَفَنِي وَجْهُ صَبِيَّةٍ أَشْرَقَ بِابْتِسَامَةٍ صَافِيَةٍ قَبْلَ أَنْ تُسْدِلَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا سَتَائِرَ بَيْضَاءَ، أَيَّةُ حَدِيقَةٍ نَهَضَتْ عَلَى أَنْقَاضِ فِيلَا «مِيرْمِيد»، وَأَيُّ سُورٍ حَجَرِيٍّ حَمَلَ اللَّافِتَةَ ذَاتَ نَهَارٍ عَابِرٍ «مِيرْمِيد.. مَرْسَمٌ وَجَالِيرِي» الْافْتِتَاحُ قَرِيبًا، قَبْلَ أَنْ يَطْوِيَهَا نَاصِرٌ بِخَاتِمَةٍ مُبَكِّرَةٍ؟
أَعْيَانِي الْبَحْثُ وَأَدْرَكَنِي لَيْلُ الشِّتَاءِ وَبَثَّنِي الْوَقْتُ فَسْحَتَهُ الضَّيِّقَةَ، أَيْقَنْتُ بِأَنِّي أَرْكُلُ الْفَخَّ وَلَا أَسْعَى لِلتَّخَلُّصِ مِنْهُ.
«مَيْدَانُ بَارِيسَ» فِي طَرِيقِ عَوْدَتِي كَانَ شَاهِدًا عَلَى تَقَاطُعَاتِ الطَّرِيقِ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ، لَمْ يُصْغِ يَوْمًا وَلَمْ يَسْمَعْ «بِمِيرَا»، مَقَاعِدُهُ الْخَشَبِيَّةُ تَحْكِي لِلْقَمَرِ فِي لَيَالِي السَّمَاءِ الصَّافِيَةِ عَنْ صَبِيَّةٍ تُشْبِهُهَا وَلَكِنَّهَا لَا تَنْتَمِي لِلْمَكَانِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كَوْنِهَا الْأَجْمَلَ.
عَنْ صَبِيَّةٍ تُغْرِي قَرِيحَةَ الشُّعَرَاءِ بِنَظْمِ الشِّعْرِ وَبِالْمَزِيدِ مِنْ تَنَهُّدَاتٍ حَائِرَةٍ يَجْدِلُونَهَا كَأَطْوَاقِ الْيَاسَمِينِ حَوْلَ أَعْنَاقِ حَبِيبَاتِهِمْ، مِنْ نَوَافِذِ الْمَقْهَى فِي «رَكْوَةِ عَرَبٍ» تُرَاقِبُ الْعُيُونُ ظُهُورَهَا فِي انْتِظَارٍ عَبَثِيٍّ وَيَائِسٍ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، وَأَنَا مِنْ خِلَالِ أُمْسِيَةٍ وَحِيدَةٍ اخْتَنَقْتُ، وَتَهِتُّ فِي الْبَحْثِ، تَبَدَّدَتْ أَمْنِيَّاتِي بِالتَّخَلُّصِ مِنْ طَوْقِ الْحِكَايَةِ، وَلَكِنَّ الْوَقْتَ دَاهَمَنِي، وَفِي الْغَدِ سَأَرْحَلُ، سَأَعُودُ مَكْبُلَةً بِفَخٍّ جَدِيدٍ، وَبِحُزْنٍ آخَرَ، بِاعْتِرَافٍ سَيَرْجِعُ مَعِي، وَقِصَّةٍ مُؤْلِمَةٍ، أَثِقُ تَمَامًا بِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَنْتَهِيَ عِنْدَ تِلْكَ الْخَاتِمَةِ.
ناصر الريماوي
اللويبدة .. جبل الأرواح العاثرة/ ديسمبر 2012
منذ 4 شهور
7111
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
04
الأردن اليوم
"القضية الفلسطينية قضية الفلسطينيين فقط لا قضية غيرهم" .. هل قالها سميح المعايطة فعلًا؟
منذ 4 أيام
05
الأردن اليوم
حبس موظف في الضمان الاجتماعي وعامل وافد 7 سنوات ونصف وتغريمهم 1.2 مليون دينار بقضية فساد
منذ 5 أيام
آخر الأخبار
ثقافة
لراحة البال .. 12 عبارة تكتب وتردد كل صباح
منذ 3 أيام
ثقافة
من أسرار بلاغة العربية التي نزل بها القرآن
منذ 3 أيام
ثقافة
السردية الأردنية .. ميثاق الأرض ووجدان الإنسان
منذ 3 أيام
ثقافة
د. مرام أبو النادي تشارك في ملتقى القصة القصيرة جدًا الثالث
منذ 6 أيام
ثقافة
وزير الثقافة مصطفى الرواشدة يعود الشاعر الكبير حيدر محمود
منذ 1 أسبوع
أخبار فنية
فن
"لم تبك ولم تحزن على وفاة زوجها" .. فنانة مصرية تفاجئ الجميع
منذ 23 دقيقة
فن
ماذا قالت الفنانة السورية سارة بركة عن زيارتها لمصر؟
منذ 38 دقيقة
فن
ملخص الحلقتين 3 و4 من مسلسل "الفرنساوي": محاولة قتل خالد
منذ 39 دقيقة
فن
المحامي أشرف الموسوي: أتوقع إعلان براءة فضل شاكر
منذ 2 ساعة
فن
وفاة الفنانة المصرية سهير زكي
منذ 3 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
آرسنال يعزز صدارته بفوز كبير على فولهام في البريميرليج
منذ 7 دقائق
رياضة
حالة واحدة تنقل محمد صلاح إلى اتحاد جدة
منذ 2 ساعة
رياضة
مطالبات لريال مدريد بإلغاء عقد مبابي .. والسبب "حسناء إسبانية"
منذ 2 ساعة
رياضة
إعلان التعليمات الإدارية والتنظيمية لمباراة الفيصلي والرمثا
منذ 3 ساعات
رياضة
بيكيه يواصل نوبات غضبه ويهدد حكماً في الدرجة الثانية
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
مصر: كشف أثري يعيد رسم الخريطة العمرانية للإسكندرية
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
في العراق… من كافتيريا الجامعة إلى العناية الحثيثة: وفاة طالبة بعد وجبة شاورما
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
94 مليون سنة من العزلة .. أقدم جزيرة تخفي عالماً مذهلاً
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
القطط تحكم الجزيرة .. سر أغرب جزيرة بلا بشر في اليابان
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
800 طلب "ماك آند تشيز" تنهب 80 ألف دولار في وضح النهار
منذ 2 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات