القذافي .. وحكمة السنين الطويلة

منذ 16 سنة
المشاهدات : 19289
القذافي  ..  وحكمة السنين الطويلة

لم يضيٍع العقيد معمر القذافي تلك الفرصة السانحة ، كي يثأر من سويسرا ، التي سبق ان اعتقلت ابنه هنيبعل وزوجته، اللذان اعتديا على احدى خادمات الفنادق السويسرية ، اثناء اقامتهما هناك قبل اشهر ، فاطلق تصريحاته النارية بالامس ضد سويسرا ، ردا على الاستفتاء الذي جرى حول بناء مآذن المساجد ، لكنه وكعادته ، اطلق صليات من رشاش لسانه ، تطايرت في مختلف الجهات ، ولم تكن موجهة للهدف المحدد فقط ، بل استهدفت آخرين . لقد هاجم العقيد القذافي الديانة المسيحية ، واصفا اياها بانها ديانة وثنية ، تقوم على عبادة الصليب ، ووصف السويسريين بانهم يعبدون الاوثان ، ولا ندري من اين جاء عقيدنا القذافي بهذه المعلومة ، وكيف يتجاهل ان المسيحيين كاخوتهم المسلمين ، يعبدون الاله الواحد الاحد ، وان الصليب هو مجرد رمز ديني لا اكثر . لست في مجال الدفاع عن الدين المسيحي واتباعه ، ولست من المتعصبين دينيا ، ولطالما سمعنا تصريحات مماثلة من القذافي ، كنت انا شخصيا ابتسم لها كما لو كانت دعابة خفيفة الظل ، ولم تشعرني باي غضب تجاهه ، خاصة في سنوات حكمه الاولى ، وهو ينطبق عليه القول الشعبي المعبر عن الطيبة " اللي في قلبو على راس لسانو" ، فهذه الهواية يمارسها منذ اربعين عاما قضاها في الحكم ، ويبدو انه لم تتبدل قناعاته في هذا المجال ، ولا زلت اتذكر تلك الطرفة التي سمعناها عنه ، في بداية حكمه قبل حوالي الاربعين عاما ، حيث ابلغ ان الرئيس الراحل حافظ الاسد ، سيرسل له مبعوثا اسمه جورج صدقني ، وهو احد المسؤولين الحزبيين ، بعد فترة وجيزة من الحركة التصحيحية التي قادها الرئيس الراحل في سوريا ، فلم يعجب العقيد القذافي اسم المبعوث ، فطلب من الرئيس الاسد ان يرسل له "محمد كذبني" بدلا من "جورج صدقني" ، فكان رد الرئيس الراحل ان الغى زيارة المبعوث احتجاجا ، كما لا ننسى ان العلاقات النضالية الطويلة التي جمعته مع المناضل الراحل جورج حبش ، لم تمنعه من ان يعرض عليه تبديل ديانته ، وكذلك طرفته عندما عرض على البابا الحالي ، وبعد محاضرته الشهيرة قبل ثلاث سنوات ، ان يتحول الى الاسلام ، كحل للاشكالات التي اعقبت المحاضرة . ما زالت مشاعري ودية ، تجاه العقيد العقيد معمر القذافي ، رغم ما قاله بحق اتباع الديانة المسيحية وانا منهم ، فما قاله ويقوله هم مجرد آراء ، لا يتوانى عن التصريح بها ، حتى لو كان في قلب روما ، وفي زيارة رسمية لصديقه برلسكوني ، رئيس الوزراء الايطالي ، وهو لم يترجم آرائه هذه الى افعال مؤذية ، ولا اعتقد انه يمكن ان يفعلها مستقبلا ، فهو يرفض احتضان الاصوليين ، ويرفض اعمالهم الارهابية ، وهذه احدى اهم ايجابياته . لكنني استغرب كيف تحالف العقيد القذافي مع الجيش الجمهوري الايرلندي ، وكيف سعى للوحدة مع مالطا ، وكيف يرأس الان الاتحاد الافريقي ، ويلقب نفسه بملك افريقيا ، ويسعى لوحدتها ، ويضع خارطتها على صدره ، وجزء من شعبها يدين بالمسيحية ؟ الا يخشى ان تؤثر تصريحاته هذه على علاقاته بالغرب ، وصداقته الحميمة لبرلسكوني ؟ اننا نتمنى على العقيد القذافي ، وبعد هذه الخبرة السياسية الطويلة ، ان يدرك ان المواطنين العرب المسيحيين ، هم جزء اساسي من مكونات الامة ، وان انتمائهم الوطني والقومي قد اثبت اصالته عبر مئات السنين ، وان جذورهم راسخة في قلب الارض العربية ، شاركوا اخوتهم ابناء الوطن والامة ، في مقاومة المحتلين والمستعمرين ، الاوروبيين وغير الاوروبيين ، ويشاركونهم آمالهم وطموحاتهم في التحرر والتقدم وبناء المستقبل المشرق ، وانه من الظلم ان يحشروا بين سندان الغرب ومطرقة الاصوليين ، ومن يشكك في هذا الامر ، عليه ان يقرأ التاريخ العربي من جديد . مالك نصراوين m_nasrawin@yahoo.com 07/12/2009

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم