وخير جليس في الزمان كتاب

منذ 16 سنة
8514
11 تعليق
وخير جليس في الزمان كتاب

وخير جليس في الزمان كتاب الدكتور:حسن فالح البكور تتعدد مصادر المعرفة ومنابعها كما تتنوع المعرفة بذاتها , فمنها الفلسفية والمنطقية ,والدينية ,والاقتصادية , والسياسية... الخ,ولكل معرفة مدارسها وروادها ومنظّروها وتلاميذها ومناهجها ,ولكل حزب أو فئة تأنس لثقافتها التي تعدّ سبيلها في الحياة , وتفتخر بحضارتها وإرثها وتقاليدها , لأنها المكوّن لهويتها وحاضرها ومستقبلها , ومن هنا جاء الاهتمام بالكتاب بصرف النظر عن طبيعته ومحتوياته ومضامينه , باعتباره المرآة التي تعكس ثقافة مؤلفه ومعرفته . ويعرّف الكتاب بأنه صفحات تحمل سطورا من الألفاظ المركبة والمتناسقة والمنظمة لغة ونحوا وصرفا ومعنى , وله أهدافه التي يسعى الكاتب من خلالها إلى شق الطريق أمام الآخرين وتعبيدها لهم لسلوكها والسير فيها , وقد يكون الهدف تعليم التلاميذ أو القراء أبجديات الحاسوب أو كيفية التعامل مع الأجهزة الجوّالة , أو نظريات اقتصادية اشتراكية أو رأسمالية , أو ترسيخ مفاهيم العولمة , أو تجذير مبادئ قبلية وإقليمية ضيقة ,أو الدعوة إلى نشر الفساد والانحلال الخلقي , أو تنبيه الناس وتذكيرهم إلى تعلم مبادئ الدين السماوي والعقيدة الإسلامية السمحة ,يقول الجاحظ مبينا أهمية الكتاب " الكتاب نعم الدّخرة والعدّة , ونعم الجليس ساعة الوحدة , ونعم القرين والدّخيل , ونعم الوزير والتنزيل , وهو وعاء مليء علما , وظرف حوشي ظرفا , وإناء شحن مزحا وجدا , وإن شئت ضحكت من نوادره , وإن شئت عجبت من غرائب فوائده , وإن شئت ألهتك نوادره , وإن شئت شجتك مواعظه . وتكمن أهمية الكتاب في تعزيز قدرة الإنسان على مواكبة التغيرات العالمية في جميع المجالات ,باعتباره إنسانا يعيش في إطار عالمي واسع يؤثر ويتأثر فيمن حوله , وليس فردا يقبع في مكان ضيق محدود , وبهذا فإن الكتاب يعد مخزنا يطلع من خلاله القارئ على التحولات العالمية , فيسهم في تعزيز النافع والمفيد , وينقل تجارب الآخرين إليه ويبني عليها , كما تظهر قيمة الكتاب في صقل الذوق الرفيع للقارئ , فيكتسب عنصر الجمال , فيقدّر كل جميل بأدبه وذوقه وإحساسه , وتدفع به إلى الشعور بامتداد الحياة والتلذذ بها والاستمتاع , وقد صدق العقاد حينما قال " إنّما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا .......... وحياة واحدة لا تكفيني ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة , والقراءة دون غيرها هي التي تعطي أكثر من حياة واحدة في مدى عمر الإنسان الواحد , لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق , وإن كانت لا تطيلها من مقاييس الحساب " نعم إن القراءة في الكتاب تزيد عمر الإنسان بركة وخيرا , فيشعر بمتعة الحياة ولذتها , وبهذا تمر أيامه ولياليه وقد نهل منها كل نافع ومفيد , ولا يشعر كما الآخرون يشعرون بمرور الزمن كالبرق سرعة . ولعل الفائدة الجليلة في الكتاب تتعدى القيم الأخرى إلى استبطان عالم الكون والحياة والمخلوقات كما يقول العقاد " فإذا اطّلع القارئ على كتاب في الحشرات , فليس اللازم اللازب أن يطلع عليه ليكتب في موضوعه , ولكن يطلع عليه لينفذ إلى بواطن الطبائع وأصولها , ويعرف من ثم كيف نشأ هذا الإحساس أو ذاك الإحساس, فيقترب من ذلك صدق الحسّ وصدق التعبير " . وإذا كنا نحن المسلمين قد خلقنا لغاية جليلة وهدف سام رفيع وهو عبادة الله تعالى مصداقا لقوله " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " فإن الكتاب الذي نرنو إليه ونصبو إلى قراءته ليل نهار هو " القرءان الكريم " كلام الله تعالى المعجز المتعبد بتلاوته , الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه , فهو أنيس القلوب , والسعادة للمؤمن في الدنيا والآخرة , ولا يعني ذلك بأية حال أن نضع غشاوة على أبصارنا لئلا نرى كتبا ألفها البشر , فحاشا ديننا الحنيف أن يدعونا إلى ذلك , لأنه ليس طقوسا وممارسات وشعائر فحسب , بل هو دعوة صريحة إلى الأخذ بأسباب الحياة , ويجعل منها معبرا وجسرا إلى الآخرة , وهي ميدان رحب وواسع يتنافس فيه البشر لبناء حياتهم وإقامة شرع الله فيها , لأن فلسفة الإسلام تنطلق من الأخذ بعلوم الدين والدنيا , لتحقيق عملية التوازن في الإنسان , فهو مخلوق من تراب ونفخة من روح الله , إن المسلم الصادق الأمين هو الذي يوظف مجالات المعرفة المختلفة التي تضمها الكتب , يوظفها لخدمة الدين , ويكرسها لرعاية العقيدة وحفظها من الضياع أو النسيان أو تحريفها وتشويهها , لتحقيق مغزى المقولة "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا , واعمل لأخرتك كأنك تموت غدا " إن ما دفعني للحديث حول هذا الموضوع ما أراه وما اسمعه عن كثير من شباب المسلمين الذين ما عاد الكتاب خير جليس لديهم , وراحوا يتجاوزونه إلى اختيار مقاهي الإنترنت للدخول إلى المواقع اللاهية والماجنة , ويظل هؤلاء يسهرون إلى ساعة متأخرة من الليل , ثم يغادرون إلى منازلهم ليناموا إلى منتصف النهار , فيضيعوا الصلوات المكتوبات ولا هم لهم سوى العبث واللهو , ولعلك أخي المسلم تشاهد منظرا آخر لا يقل إيلاما عن الأول , شباب يلهون وينسون ذكر الله من خلال العاب الشدة بمختلف ألوانها وأطيافها وأنواعها , تراهم مرتمين في زوايا الحجرات ومقاهي الأزقة والحارات , وإذا انتقلنا إلى مشهد آخر , شباب لا تحلو مجالسهم إلا على أرصفة الطرقات ليل نهار يراقبون حركة الناس , ولا هم لهم سوى القال والقيل وقدح الأعراض وشتم الأبرياء , والتعرض والتحرش بالفتيات , ولعل الأكثر إيلاما وجرحا ما نشاهده على شاشات الفضائيات من شباب يتسكعون على شواطئ البحار يحيون المهرجانات بالعزف والرقص والغناء, إحياء لأعياد الميلاد أو عيد ميلاد طفل أو فرح بنجاح أو فرح بخطوبة أو زواج , أو انتصار فريق كرة قدم على الآخر في دولة صديقة أو شقيقة أو أجنبية ,ولعل أقصى الأماني عند بعض الشباب ألا يفتح كتابا في أي موضوع كان , والأكثر حزنا وقسوة إذا تجوّلت في المدارس أو الكليات أو الجامعات أو إحدى المؤسسات تنظر بعينيك إلى الطوابر المصطفة والمكتظة لتناول وجبة الإفطار ووجبة الغداء ,في المطاعم وأماكن إعداد الوجبات السريعة , يمكثون بعد الغداء ساعات وساعات في زوايا المطاعم والحجرات يتحدثون بما لا يليق من الألفاظ والكلمات , وتنتهي المجالس في بعض الأحيان إلى مناوشات ومناورات يعقبها الخصام والضرب بالسكاكين والآلات والنهاية إلى السجن وبئس المصير , وربما إذا سوّلت لك نفسك بحضور معرض كتاب وأحصيت الذين يرتادون هذا المكان , لما تجاوز هذا العدد أصابع ما في اليدين , وإذا دعتك قدرتك للتوجه إلى إحدى المكتبات لعلك تجد نفسك الزائر الوحيد بين الرفوف , وستجد أن الغبار يلف الكتب في كل مكان , لم يعد الكتاب خير جليس في زمن العولمة وثورة المعلوماتية والتفجر العلمي والحضاري عند كثير من شباب العرب والمسلمين , لأنهم لم يفطنوا إلى قيمة الكتاب ومنزلته العالية , ولم يدركوا أنه سجل خالد لحضارة الأمة , وفيه قصص واقعية عن بطولات حقيقية سطرها المسلمون على مر التاريخ , وفيه سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وأولياء الله الصالحين والشيوخ والعلماء الذين أبدعوا واكتشفوا فخدموا الإنسانية بإنجازاتهم. تلك هي الصورة القاتمة التي يعيشها بعض الشباب فمن تائه في سراب الحياة الخادع , فتفرقت بهم السبل , فكانوا على هامش الحياة تجاوزوا طريق الحق وتطاولوا في أعمال الهدم والتخريب, وباعوا كل كتاب بثمن بخس, وكانوا فيه زاهدين وإلى غيره يتطلعون ويتمنون , تلك هي الفئة الضالة المتشبثة بالحياة ,أبت أن تحلق في المعالي ومنازل النجوم , وارتضت لنفسها الإنقياد لمتاع الدنيا الزائل , فكانت في الحضيض , وشتان بين الهمم العالية الشامخة شموخ النسور , وبين الخفافيش . أما الصورة المشرقة فقد تمثلت بمن جعل الكتاب خير جليس في كل حال , وسمت نفسه وضميره الخلاق عن سلوك الصغار بالمعالي وهمم الرجال , وتعالوا على مستنقعات الغاويات والإغراء , وراحوا يدوسون بالنعال على مواطن الذل والاستكانة والخذلان , ودحرجوا بأرجلهم عن موطنهم غيوم السوء وريح الضياع , وقذفوا وهم يتربعون على قصور موائد الكتاب منازل الأشرار الخاوية عروشهم من آثار الكتاب . إن ديننا الحنيف يحض على القراءة والتعليم في كثير من آيات القرآن الكريم وإن أول ما انزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم " إقرأ باسم ربك الذي خلق " والعلم طريق إلى معرفة الله والخوف منه , فقال تعالى " إنما يخشى الله من عباده العلماء " من هنا تأتي الدعوة إلى أن يكون الكتاب أولوية لنا جميعا تسمو على العقارات والأموال والسيارات الفارهة والحفلات والملاهي والمباريات .. فقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال:اذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث:علم ينتفع به بعد موته, أو صدقة جارية, أو ولد صالح يدعو له,) وقال عليه السلام )المؤمن إذا مات وترك ورقةً واحدة عليها علمٌ ,تكون تلك الورقة يوم القيامة ستراً فيمـا بينه وبين النار ، وأعطاه الله تبارك وتعالى بكلّ حرفٍ مكتوب عليها مدينة أوسع مـن الدنيا سبع مرّات ) . ومما لا شك فيه فقد ورد عن بعض المفكرين الغرب عبارات الثناء على الكتاب وأهميته ,ومن هذه الأقوال :( الكتاب هو المعلم الذي يعلم بلا عصا, ولا كلمات ولا غضب.. بلا خبز ولا ماء. إن دنوت منه لا تجده نائما وإن قصدته لا يختبئ منك.. إن أخطأت لا يوبّخك ,وإن أظهرت جهلك لا يسخر منك.) وقال آخر( الكتاب الجيد يُقرأ مرة في سن الشباب, ومرة في سن النضج, ومرة أخرى في الشيخوخة، كالبناء الجميل الذي يجب أن يُشاهد فجراً وظهراً وتحت ضوء القمر.. وفي الختام فإنني أدعو كل المتعلمين إلى ضرورة بناء علاقات طيبة ,وصداقة حميمة مع الكتاب,ولاسيما كتاب الله تعالى الذي فيه تتحقق كرامتنا وعزّتنا ,ونبني أمجادنا ,وبه تطمئن قلوبنا ,وتترسّخ هويتنا وحضارتنا ,وتتجذّر هيبتنا أمام أعدائنا ,وبه نسهم في ترميم ما آلت إليه بعض سلوكياتنا من الفوضى والضياع ,ونعيد بناء ما تقوّض من جدران ثقافتنا التي زحفت إليها الحضارات ,فنافستها وزاحمتها ,فانبهر بها الكثيرون ,فاستغاثت بأبنائها الذين ناصبوها العداء ,لعلّهم إلى دفء أحضانها يعودون ,فينهلوا من ينابيعها عذب الكلام وأحسن الأخلاق , لأن إعلاء صروح الحضارات يتحقق بدراسة التراث التاريخي والثقافي والديني والمواءمة بينه وبين المعاصرة بأسلوب حضاري بنّاء , (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون )صدق الله العظيم .

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم