أ.د. سلطان المعاني يكتب: الأردن المتماسك وأيادي شذاذ الآفاق القذرة

منذ 21 دقيقة
المشاهدات : 8425
أ.د. سلطان المعاني يكتب: الأردن المتماسك وأيادي شذاذ الآفاق القذرة
أ.د. سلطان المعاني

أ.د. سلطان المعاني

عرف الأردنيون عبر تاريخهم معنى التماسك الاجتماعي، وأدركوا قيمة العيش معاً، وصانوا وحدتهم في مواجهة المحن والأخطار التي مرت بوطنهم. تشاركوا الأرض والخبز والماء، وتجاوروا في المدن والقرى والبوادي، وتآلفوا على اختلاف أصولهم ومنابتهم ومعتقداتهم، وجعلوا من الاحترام المتبادل وحسن الجوار والشهامة وإغاثة الملهوف قيمًا تحكم علاقاتهم وحياتهم اليومية. وفي مجتمع كهذا، تظهر بين حين وآخر وجوه شاذة عن طباع أهله، تحمل في صدورها الكراهية، وفي أيديها أدوات الجريمة، وتحاول أن تعبث بأمن الناس وطمأنينتهم.

وجاءت جريمة اغتيال العريف جواد علي خلف السلايطة، وهو يؤدي واجبه الأمني في حراسة سفارة سريلانكا في العاصمة عمّان، لتكشف عن وجه قبيح من وجوه هذا الإجرام. فقد امتدت إليه يد غادرة وهو في موقع عمله، وأزهقت حياته بوحشية، وتركت أسرته ورفاقه ووطنه أمام فاجعة مؤلمة. كان الشهيد يؤدي مهمة أمنية اؤتمن عليها، ويحمل مسؤولية حماية مقر دبلوماسي يعمل على أرض الأردن، حتى باغته مجرم اختار الطعن وسيلة للاعتداء على رجل يقوم بواجبه.

وأيادي شذاذ الآفاق التي تتلوث بدماء الأبرياء تحمل العار لأصحابها، وتكشف عن مقدار ما بلغوه من انحراف واستهتار بحياة الناس. ويزداد بشاعة هذا الإجرام حين يستهدف رجل أمن يؤدي عمله، ويحمل على كتفيه مسؤولية حماية الآخرين. فما الذي اقترفه جواد حتى يستحق تلك الطعنات؟ وأي خصومة يمكن أن تكون بين مجرم ورجل يقف في موقع حراسته؟ لقد كان ذنبه في نظر المعتدي أنه يرتدي البزة العسكرية ويؤدي واجبه تجاه وطنه، وتلك جريمة مكتملة الأركان تستحق أشد الإدانة والعقاب.

ويعرف الأردنيون رجال أمنهم في الشوارع والأحياء والأسواق وأمام المؤسسات والمرافق العامة.
يعرفونهم أبناءً لجيرانهم وأقاربهم وأصدقائهم، ويعرفون ما يتحملونه من مشقة في ساعات العمل الطويلة، وما يواجهونه من أخطار في سبيل حماية المجتمع. ويشهدون لهم في المواقف الصعبة، حين تمتد أيديهم لإنقاذ المصابين، وإغاثة المحتاجين، وحماية الأطفال والنساء وكبار السن، والتصدي للمعتدين. ومن بين هؤلاء كان جواد السلايطة، ابنًا من أبناء الأردن، حمل الأمانة وأداها حتى اللحظة التي اختطفته فيها يد الغدر.

ويستمد المجتمع الأردني تماسكه من علاقات اجتماعية توارثتها الأجيال، ومن ثقافة تجعل الجار سندًا لجاره، والبيت مفتوحًا للقريب والغريب، والمصيبة شأنًا يتقاسمه الناس. وقد أثبت الأردنيون في محطات كثيرة قدرتهم على تجاوز الاختلافات والوقوف صفًا واحدًا حين يتعلق الأمر بسلامة وطنهم وكرامة أبنائه. ومن هنا تأتي خطورة ظهور أفراد يتبنون العنف ويستبيحون الدماء، ويحاولون الاعتداء على أمن مجتمع نشأ على قيم التراحم والتكافل واحترام الحياة.

وتستحق مثل هذه الجرائم موقفًا اجتماعيًا واضحًا وحازمًا، يبدأ بإدانة مرتكبيها، ويمتد إلى رفض كل من يزين لهم أفعالهم أو يمنح الاعتداء على الآخرين أي غطاء أو تبرير. فشذاذ الآفاق الذين يعتدون على حياة الناس يتحملون مسؤولية جرائمهم، ويستحقون المحاسبة العادلة وفق القانون. وتبقى مسؤولية المجتمع أن يحمي أبناءه من دعاة التطرف والكراهية، وأن يساند مؤسساته الأمنية في مواجهة الاعتداءات التي تهدد سلامة الناس.

وقد أظهرت جريمة الاعتداء على جواد السلايطة شجاعة رجال الأمن العام الذين سارعوا إلى مواجهة المعتدي والسيطرة عليه وإلقاء القبض عليه، وأصيب خلال ذلك الملازم الثاني فراس العنانزة. وتستحق هذه الاستجابة التقدير، مثلما يستحق المصاب الدعاء بالشفاء العاجل. إن وجود رجال مستعدين لمواجهة الخطر في لحظاته المباغتة يعزز ثقة المواطنين بمؤسساتهم، ويؤكد أهمية ما يؤديه رجال الأمن من واجبات تتطلب اليقظة والانضباط والشجاعة.

ويحمل استشهاد جواد حزنًا عميقًا لأسرته وعشيرته ورفاقه، ويضعنا جميعًا أمام واجب الوفاء له ولأمثاله من شهداء الوطن. فقد غاب عن أسرته ابن عزيز، وعن زملائه رفيق سلاح، وعن الأردن رجل كان يؤدي واجبه حين اغتالته يد مجرمة. وتستحق أسرته من المجتمع ومؤسسات الدولة كل رعاية وتقدير، بما يحفظ ذكرى ابنها ويكرم تضحيته.

وسيظل الأردن بأهله وتماسك مجتمعه وقدرة مؤسساته على حماية أمنه أقوى من محاولات العبث باستقراره. وستبقى الأيدي القذرة التي تمتد إلى أرواح الأبرياء موضع إدانة ورفض ومحاسبة، مهما حاول أصحابها الاختباء وراء ذرائعهم وأوهامهم. فالأردنيون الذين يتقاسمون الأفراح والأتراح، ويقفون إلى جانب بعضهم عند الشدائد، يعرفون وطنهم ويعرفون قيمة أمنه، ويعرفون كذلك أن صيانة هذا الأمن مسؤولية يشترك فيها الجميع.

رحم الله جواد السلايطة، شهيد الواجب الذي طالته يد الغدر وهو يحرس أمانة وطنه، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان. وسيبقى اسمه شاهدًا على بشاعة الجريمة وشرف التضحية، وستبقى ذكراه حاضرة في وطن يعرف أبناءه، ويعتز برجاله، ويصون وحدته في وجه كل من تسول له نفسه الاعتداء على أمنه وسلامة أهله.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم