وليد معابرة يكتب: أعشاش الدبابير .. "عندما يقع التعليم في قبضة الأثرياء"

منذ 24 دقيقة
المشاهدات : 12571
وليد معابرة يكتب: أعشاش الدبابير .. "عندما يقع التعليم في قبضة الأثرياء"
‏الكاتب الساخر وليد معابرة

‏الكاتب الساخر وليد معابرة

عندما كنا على مقاعد الدراسة الابتدائية، كان بيننا مجموعة من الصبيان الذين ينمازون بالعدوانية، وقد كان لكل شخص منهم هواية يمارسها في العبث بمخلوقات الله البريئة، فهذا الصبي يقتحم أعشاش العصافير لينتزع فراخها، وذاك إذا صادف سحلية فإنَّه يمارس عليها بطولاته بإجراء عملية جراحية تعذيبية! وآخر إذا رأى جُندُباً شنقه على غصن شجرة! وكل ذلك من أجل أن يصنعوا مناخاً من الضحك على جريمة مكتملة الأركان! لكن –في الوقت ذاته- كان هناك صنف أكثر احترافاً في العدوانية! فقد كان بعضهم لا يكتفي بإيذاء كائن بعينه، وإنما يبحث عن أعشاش الدبابير القاتلة والسامة، فيمدُّ إليها العصا، ويحركها بشكل دائري مستفز، ليستمتع بعد ذلك بمشهد الدبابير المذعورة التي تبدأ مباشرة بمهاجمة كل من يصادفها في الساحات والشوارع، بما فيهم أولئك الأبرياء الذين لم يشاركوا في تحريك الخلية، ولم يرتكبوا ذنباً سوى أنهم كانوا متواجدين في مسرح المهزلة العدوانية.


إِنَّ المفارقة فيما أسلفت؛ أننا كنا في كثير من الأحيان نقف في مكان بعيد نتفرَّج على هذه المشاهدة؛ وكأننا لا نرى العدوانية مشكلة مهمة؛ طالما أنها لا تستهدفنا بشكل مباشر، لذلك؛ فإنني أُجزم حين أقول: إِنَّ صمتنا كان شكلاً آخر من أشكال المشاركة، أو أنه عدوانية مؤجلة تنتظر من يوقظها.

في الحقيقة أنا لا أنكر بأنني أتمنى أنَّ يعود بي الزمان إلى تلك الأيام؛ ليس من أجل أن أستعيد مقاعد الدراسة؛ ولكن لأبحث عن ذلك الصبيِّ العدوانيِّ الذي كان يحرك أعشاش الدبابير! ربما لأنني أجزم أنه ما زال يمتلك عصاه القديمة التي سأرجوه إِنَّ يحركها من جديد؛ لتنطلق الدبابير المذعورة إلى رقاب جميع من يتحكَّم بمصائر العباد بعامة؛ وبمصائر الموظفين وأساتذة المؤسسات التعليمية الاستثمارية بخاصة، فالأمر هنا لا يبتعد كثيراً عن تلك الحكاية؛ سوى أنَّ أدوات العدوانية اختلفت، والأسماء تبدلت، ولكن ما زالت أعشاش الدبابير تُحرَّك اليوم بعقود العمل السنوية وسياسات التوظيف التي لا تَسدُّ الرمق، إضافة إلى شروط النشر العلمي، ومقصلة التجديد السنوي؛ لينتهي الأمر بأستاذ جامعي يُفترض أنه يحمل رسالة التعليم الحقيقي؛ لكنه في المقابل يحمل فوقها أعباء البحث عن لقمة العيش الأساسية!

إِنَّ ما يؤلم في الجامعات الخاصة هو انعدام الأمان الوظيفي التي بات خلالها الأستاذ الجامعي يعيش على عقدٍ مجحفٍ براتب لا يتعدى راتب "عامل مكتب ذي خبرة تزيد عن العشر سنوات" ضمن أسوار بعض الجامعات الحكومية؛ وإنَّ المسألة الأكثر إيلاماً تتجسد في أنه لا يعلم إن كان سيُجدد له لعامٍ مقبل؛ أم سيجد نفسه خارج أسوار الجامعة، وكأنَّ وظيفته ليست استحقاقاً مهنياً على قدر ما تكون منحة مؤقتة يمنحها صاحب الجامعة الخاصة وباستطاعة مطلقة بأن يسحبها مجرد وجود أي اختلاف في وجهات النظر من غير أن يكلِّف نفسه عناء التفسير المقنع.

إِنَّ الأكثر غرابة وسخرية أنَّ التعليمات الناظمة للتعليم العالي تتحدث عن ضرورة توفير قدر من الاستقرار الوظيفي لأعضاء هيئة التدريس؛ ولكن بعض المؤسسات التعليمية الخاصة قد اكتشفت طريقة عبقرية للتعامل مع تلك الفلسفة، فهي تمنح الأستاذ عقداً وتترك له مهمة اكتشاف ما إذا كان العقد ضماناً للاستقرار؛ أم أنه مجرد ورقة مؤقتة لتأجيل القلق إلى العام المقبل.

أما فيما يتعلق بحكاية النشر العلمي؛ فقد باتت -ضمن جُلِّ المؤسسات- طريقة أشبه ما تكون بضريبة سنوية تُفرض على الأستاذ الجامعي لقاء السماح له بالتواجد الرسمي داخل أروقة الجامعة، فالأستاذ مفروضٌ عليه أن ينشر بحثين "على الأقل" ضمن مجلات علمية مصنَّفة ضمن الربع الأول Q1"" في قاعدة بيانات "Scopus"، وكأنَّ الأستاذ لا يكفيه أن يكون باحثاً ومعلماً ومشرفاً، بل عليه أيضاً أن يكون مموِّلاً لمؤسسة النشر العلمي من جيبه الخاص؛ في حين أنَّ كثيراً من المجلات العلمية التي تحتضنها الجامعات الحكومية أفضل بمئة مرة من بعض المجلات المصنفة ضمن قواعد عالمية! بدليل أنَّ بعض الأبحاث التي تنشرها بعض مجلات سكوبس في بعض التخصصات لا تستحق إِنَّ تُنشر على حبلٍ لغسيل الملابس المهترئة، لذلك فإنَّ المعادلة الواقعة ضمن هذه الظروف ستتكوَّن من شقين: "الشقُّ الأول يتضمن راتب الأستاذ الذي يتراوح بين (650-800) ديناراً"، "والشقُّ الثاني يتضمن رسوم النشر السنوية التي تصل أحياناً إلى الـ (4000) ديناراً"، وبتلك المعادلة فإنَّ الأستاذ أصبح مطالباً بأن يدفع من راتبه ثمن الأبحاث ((التي ترفع تصنيف الجامعة))!

إنها معادلة اقتصادية فريدة لم يتوصل إليها خبراء الاقتصاد بعد؛ فالجامعة تستثمر في الأستاذ، والأستاذ يستثمر في الجامعة؛ لكنَّ الجامعة وحدها هي التي تحقق الأرباح، في حين أنَّ الأستاذ يخرج من تلك المعادلة مثقلاً بالديون من جانب، ومهدداً بفقدان وظيفته من جانب آخر، وفوق هذا كلِّه؛ فهو مطالب بمزيد من الإنتاج العلمي.

ولكي أكون منصفاً؛ فإنني لن أقول بأنَّ جميع الجامعات الخاصة تسير على هذا النهج؛ ولن أقول بأنَّ الاستثمار في التعليم جريمة؛ فالمشكلة ليست في أن تربح الجامعة؛ ولكنَّ المشكلة في أن يصبح الربح غايتها الوحيدة، وأن تتحوَّل الرسالة التعليمية إلى معطفٍ أنيقٍ لمشروع تجاري لا يرى في الأستاذ إلا أداة إنتاج قابلة للاستبدال.

إنَّ الحقيقة التي لا يريد أحد إنكارها سوى المستفيدين منها؛ هي أنَّ غالبية الأساتذة العاملين في الجامعات الخاصة يتداولون الحديث بشكل يتزايد كل يوم عن نفوذ بعض مالكي الجامعات الخاصة، وعن وجود عُصبة قادرة على التأثير في القرارات والسياسات المتعلقة بالقطاع، وهي مسألة تستحق وتستأهل الفحص والمساءلة المؤسسية الجادة، وليس الاكتفاء بتبادل الاتهامات أو إطلاق الأحكام، فحين يشعر الأستاذ الجامعي بأنَّ صوته لا يصل إلى أصحاب القرار، وأنَّ حقوقه لا تجد من يحميها، فضلاً عن أنَّ الجهات الرقابية لا تمتلك من الأدوات ما يكفي لضبط التجاوزات؛ فإنَّ هناك سؤالاً مشروعاً يطرح نفسه، ويفرض هيمنته ضمن صيغة استنكارية ممزوجة بالخوف والرعب على مستقبل التعليم العالي؛ مطالباً بحمايته وتأمينه من تغوُّل المصالح المالية.

أخيراً: إِنَّ الأستاذ الجامعي يُفترض أن يكون أنموذجاً حياً للاستقرار الفكري والاجتماعي معاً، ولكننا ضمن تلك المعطيات نجده عاجزاً عن التخطيط لحياته الشخصية واستقراره النفسي الذي يصبُّ أولاً وأخيراً في إنتاجه التدريسي وممارسة وظيفته كمربٍ فاضلٍ، وتربويٍّ يغرس الأصول والفروع في البيئة الطلابية التي هي أملنا في النهوض والارتقاء إلى مستوى الأمم المتقدمة.

خلاصة القول: إنني لا أتحدث عن رفاهية وظيفية بقدر ما أتحدث عن الأمن التعليمي من جهة، وعن الأمن الاجتماعي من جهة أخرى، فضلاً عن أمنِ أُسَرٍ أُردنيةٍ كاملة تتأثر بقرار إداري قد يصدر في دقائق معدودة، إضافة إلى أستاذ جامعي يُطلب منه أن يصنع أجيالاً قادرة على التفكير؛ في حين أنه لا يُمنح الحد الأدنى من الأمان الذي يسمح له بالتفكير في مستقبله! لذلك؛ فإنَّ المسؤولية لا تقع على الجامعات الخاصة وحدها، ولكنها تمتدُّ إلى وزارة التعليم العالي والجهات الرقابية التشريعية؛ لتضع ضوابط عادلة لمتطلَّبات النشر، وحماية الأساتذة من تحويل وظائفهم إلى رهائن سنوية!

ختاماً! إِنَّ الناظر إلى طفولتنا؛ سيجد أنَّ الصبيَّ الذي كان يحرِّك أعشاش الدبابير يختبئ خلف شجرة ويستمتع بها حين تلسع المارَّة! أما اليوم؛ فقد أصبح العش أكبر، والدبابير أكثر عدداً، والضحايا هم من يحملون شهادات الدكتوراة التي تنتج المعرفة، وترفع التصنيفات، وتحمي سمعة المؤسسات التي لا تقدم لهم الحماية اللازمة! وإنَّ الفارق الوحيد بين الأمس واليوم؛ هو أنَّ صبيَّ الأمس كان يحرِّك العش بعصا خشبية، أما صبيُّ اليوم فقد تعلَّم أن يُحرِّكه بعقدٍ سنويٍّ مجحف! لذلك؛ فإنَّه يبدو لي أنَّ بعض صبية الأمس لم يتخلُّوا عن هوايتهم في العبث بمخلوقات الله، وإنما طوَّروا أنفسهم ومهاراتهم مع التقدم في العمر؛ فبعد أن كانوا يُحرِّكون أعشاش الدبابير بالعصيِّ الخشبية، أصبحوا اليوم يحرِّكونها بالقرارات والعقود والتعليمات، وبعد أن كانوا يضحكون على لسعات المارَّة؛ أصبحوا الآن يحتسبونها ضمن كلفة الإنتاج، وهكذا دواليك؛ فلم تعد المشكلة في الدبابير التي تلسع، بل في أولئك الذين يملكون العصا، ويحتكرون العسل، ثم يتركون للآخرين مهمة التحمُّل الكامل للسعات الدبابير.

الكاتب: وليد معابرة

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم