الدكتور صدام المشاقبة يكتب: قمة مسار العقبة في أستانا .. الرؤية الملكية تقود الانتقال من تشخيص التهديدات الأمنية إلى الحلول العملية وتطوير مقاربات مشتركة لأمن الذكاء الاصطناعي

منذ 23 دقيقة
المشاهدات : 8943
الدكتور صدام المشاقبة يكتب: قمة مسار العقبة في أستانا ..  الرؤية الملكية تقود الانتقال من تشخيص التهديدات الأمنية إلى الحلول العملية وتطوير مقاربات مشتركة لأمن الذكاء الاصطناعي
الدكتور صدام سليمان المشاقبة

الدكتور صدام سليمان المشاقبة

لفتت العاصمة الكازاخستانية أستانا أنظار المنطقة والمجتمع الدولي باستضافتها قمة مسار العقبة لأمن الذكاء الاصطناعي، التي جمعت جلالة الملك عبد الله الثاني، والرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف، والرئيس الطاجيكي إمام علي رحمن، والرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيائيف، والرئيس التركماني سردار بيردي محمدوف، إلى جانب رئيسة المجلس الوطني الأذربيجاني صهيبة غفاروفا، ووزير الخارجية القرغيزي جينبيك كولوباييف، وعدد من المسؤولين وممثلي المؤسسات الأمنية والدولية. ويعكس هذا الحضور رفيع المستوى اتساع نطاق المبادرة الأردنية التي أطلقها الملك عبد الله الثاني عام 2015، وقدرتها على بناء منصات للحوار والتنسيق تتجاوز حدود المنطقة، وصولاً إلى آسيا الوسطى، لمواجهة التحديات الأمنية المتجددة.


وتأتي القمة في توقيت تتزايد فيه التهديدات الأمنية المشتركة، من عودة نشاط التنظيمات المتطرفة وتطور أساليب التجنيد والاستقطاب الرقمي، إلى انتشار المعلومات المضللة والتزييف العميق، واستغلال التقنيات الحديثة في التأثير على المجتمعات واختراق الفضاء المعلوماتي. وتكمن أهمية اجتماع أستانا في إدراك أن هذه المخاطر لم تعد شأناً محلياً تستطيع دولة مواجهته منفردة، بل أصبحت تحديات عابرة للحدود تتطلب تنسيقاً إقليمياً وتبادلاً للمعلومات والخبرات. كما أن الذكاء الاصطناعي، بما يوفره من فرص للتقدم، يفرض في الوقت ذاته مسؤوليات جديدة تتعلق بضمان استخدامه بصورة آمنة وأخلاقية، ومنع استغلاله في أنشطة تهدد الاستقرار والأمن المجتمعي.


ويكتسب التعاون الأردني الكازاخستاني في هذا السياق أهمية خاصة، بالنظر إلى ما يجمع القيادتين من اهتمام بالدبلوماسية والحوار وتوسيع الشراكات الدولية. فالملك عبد الله الثاني يمتلك حضوراً دولياً في ملفات الأمن والاستقرار والحوار بين الأديان، فيما يتمتع الرئيس توكاييف بخبرة دبلوماسية دولية، انعكست في توجه كازاخستان نحو تعزيز دورها في الحوار متعدد الأطراف. وتتقاطع رؤى البلدين أيضاً في احترام التعدد الديني والثقافي، وترسيخ قيم التسامح والانفتاح والسلام، فالأردن ارتبط بمبادرات دولية للحوار بين الأديان، من بينها أسبوع الوئام العالمي بين الأديان الذي تبنته الأمم المتحدة عام 2010 بمبادرة ملكية، فيما تستضيف أستانا منذ عام 2003 مؤتمر قادة الأديان العالمية والتقليدية، الذي يجمع ممثلي ديانات وثقافات متعددة. وهذه القواسم تمنح التعاون بين عمّان وأستانا بعداً فكرياً وحضارياً يتجاوز التنسيق الأمني المباشر، ويؤكد أهمية معالجة جذور التطرف من خلال الحوار والاعتدال واحترام الاختلاف.


ومن الجوانب المهمة في التجربة الكازاخستانية تعاملها مع ظاهرة المقاتلين الأجانب الذين التحقوا بالتنظيمات الإرهابية خلال الصراعات في سوريا والعراق. فقد واجهت كازاخستان تحدي عودة مواطنيها من مناطق النزاع، واعتمدت عمليات لإعادتهم وتأهيلهم وإعادة دمجهم، من أبرزها عمليتا «جوسان» و«روسافا»، اللتان شملتا إعادة مئات النساء والأطفال، إلى جانب برامج لمعالجة تداعيات التطرف. وتشير بعض الدراسات المقارنة إلى أن كازاخستان سجلت معدلات أقل للفرد من عدد المقاتلين الأجانب مقارنة بعدد من دول آسيا الوسطى، رغم أن مواطنين كازاخستانيين التحقوا بالفعل بمناطق الصراع. وتقدم هذه التجربة مادة مهمة لتبادل الخبرات، خصوصاً في مجالات الوقاية من التطرف، وإعادة التأهيل، وحماية الشباب من الاستقطاب، والتعامل مع المخاطر الأمنية والإنسانية التي تتركها النزاعات المسلحة.


ولا تتوقف أهمية القمة عند مناقشة التهديدات، بل تمتد إلى ضرورة انعكاس نتائجها على السياسات الأمنية والمجتمعية. فمواجهة التطرف الرقمي تتطلب تطوير أدوات الرصد والتحليل، وتعزيز التربية الإعلامية والرقمية، ورفع كفاءة المؤسسات التعليمية والإعلامية في التعامل مع المحتوى المضلل وخطاب الكراهية، إلى جانب بناء قدرات متخصصة في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي. كما أن نجاح التعاون الإقليمي يرتبط بمدى قدرة الدول على إشراك الجامعات ومراكز البحث وشركات التكنولوجيا والمجتمع المدني في تطوير حلول واقعية، بحيث لا تبقى مخرجات القمم محصورة في التفاهمات السياسية، بل تتحول إلى برامج تدريب ومشاريع بحثية وآليات تعاون قابلة للتنفيذ والقياس.


ولعل التحول الأبرز الذي تعكسه قمة أستانا هو انتقال مسار العقبة من التركيز على مناقشة التهديدات الأمنية المعاصرة وتبادل تقديراتها، إلى البحث في تطوير استجابات عملية ومقاربات مشتركة لمواجهتها، مع إدخال أمن الذكاء الاصطناعي ضمن أولويات التعاون الإقليمي.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم