حسن محمد الزبن يكتب: إصبع الناخب في واشنطن وتل أبيب وتداعياته على الشرق الأوسط

منذ 11 دقيقة
المشاهدات : 6653
حسن محمد الزبن يكتب: إصبع الناخب في واشنطن وتل أبيب وتداعياته على الشرق الأوسط
حسن محمد الزبن

حسن محمد الزبن

تتجه أنظار العواصم العالمية وصنّاع القرار في الشرق الأوسط نحو واشنطن، حيث شكّلت نتائج انتخابات التجديد النصفي منعطفاً سياسياً لم تقتصر تداعياته على الداخل الأمريكي، بل امتدت إلى المشهدين السياسي والاقتصادي الدوليين.


وفي وقت كان الجميع يترقب فيه مصير الأجندة التشريعية للرئيس دونالد ترامب خلال العامين الأخيرين من ولايته، أفرزت صناديق الاقتراع واقعاً من الحكم المنقسم، بعدما تمكن الديمقراطيون من السيطرة على الكونغرس، مبددين طموحات الجمهوريين في الاحتفاظ بالأغلبية كاملة.


وقد وضع هذا التحول عراقيل مباشرة أمام مشاريع الإدارة، وفتح الباب أمام تحقيقات موسعة، فضلاً عن تفعيل سلطة الكونغرس المالية لتقييد موازنات الإنفاق والدفاع. هذا التحول في كابيتول هيل، الذي رافقه إنفاق انتخابي بمليارات الدولارات، بدعم من كبار المانحين، مثل إيلون ماسك، وقطاع التكنولوجيا الكبرى، أعاد خلط حسابات الفاعلين الرئيسيين في الشرق الأوسط. فأصوات الجاليات العربية والمسلمة في ولايات حاسمة مثل ميشيغان، وما عكسته من استياء عميق إزاء السياسة الخارجية الأمريكية تجاه قضايا المنطقة، لم تكن مجرد أرقام في حصيلة الاقتراع، بل حملت دلالة سياسية على رغبة في كبح القرارات الأحادية وإعادة التوازن إلى دور واشنطن خارج حدودها.


وعلى الساحة الإسرائيلية، تداخلت تداعيات نتائج واشنطن مع أزمة سياسية غير مسبوقة في تل أبيب؛ إذ تزامن فقدان الجمهوريين أغلبيتهم مع خسارة ائتلاف بنيامين نتنياهو الحاكم أغلبيته في الكنيست، ودخول البلاد في انسداد سياسي حاد عقب تصديق لجنة الانتخابات على النتائج. وبات نتنياهو، الذي بنى استراتيجيته بالكامل على تفويض مطلق من حليفه ترامب، بمثابة شيك على بياض، مكشوفاً أمام كونغرس ديمقراطي يستعد لتشديد الرقابة على صفقات السلاح. ويضع هذا الواقع الجديد اليمين الإسرائيلي أمام خيارين: إما التراجع والقبول بتسويات سياسية داخلية، وإما الهروب إلى الأمام بافتعال تصعيد إقليمي لتصدير الأزمة وإعادة حشد الصفوف بذريعة حالة الطوارئ.


في المقابل، تنفست طهران الصعداء مع تراجع اندفاعة سياسة الضغط الأقصى والتهديدات العسكرية المباشرة التي لوّحت بها الإدارة الأمريكية. ورغم تمسّك الخطاب الإيراني الرسمي بأن السياسة الأمريكية عدائية بطبيعتها، بغض النظر عن الحزب الحاكم، فإن فقدان الجمهوريين أغلبيتهم حدّ من قدرة ترامب على خوض حروب مفتوحة غير محسوبة العواقب. وتراهن دوائر في طهران على أن واشنطن، المثقلة بتبعات التضخم وغضب الناخبين من أسعار الوقود، ستكون أكثر ميلاً إلى البحث عن مسارات دبلوماسية لتجنّب تصعيد قد يشعل الجبهات المساندة ويهدّد الممرات البحرية الحيوية وكابلات الإنترنت.


أما دول مجلس التعاون الخليجي والعالم العربي، فتجد نفسها اليوم أمام معادلة جديدة للتحوط الاستراتيجي في بيئة إقليمية ملتهبة؛ فعلى الصعيد الاقتصادي، يسهم كبح الكونغرس لخطط التوسع غير المشروط في التنقيب عن النفط الصخري الأمريكي في الحفاظ على استقرار الأسعار العالمية، ويحمي استثمارات الصناديق السيادية الخليجية من تقلبات الحروب الجمركية الشاملة التي كان ترامب يعتزم فرضها. ومع ذلك، تدرك العواصم العربية أن مقامرة عدم الحسم التي تمارسها القوى الكبرى تهدف إلى إرهاق المنطقة واستنزاف ثرواتها عبر صفقات السلاح وحسابات الابتزاز المرحلي. في المحصلة، يؤكد هذا الزلزال الانتخابي المزدوج في واشنطن وتل أبيب أن الرهان على غياب المحاسبة لم يعد مضمون العواقب، فقد أفرزت التحولات في مراكز القرار الغربي واقعاً جديداً يستدعي لغة تفاوضية مختلفة، ويجعل صياغة الأمن الإقليمي مسؤولية مشتركة تضطلع فيها القوى العربية الفاعلة بدور أساسي لحماية استقرارها ومستقبل شعوبها، بعيداً عن تقلبات صناديق الاقتراع وراء البحار.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم