فيصل تايه يكتب: ما وراء الاعتماد الدولي .. أكاديمية الملكة رانيا ورهان التحول في التعليم

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 14288
 فيصل تايه يكتب: ما وراء الاعتماد الدولي ..  أكاديمية الملكة رانيا ورهان التحول في التعليم
فيصل تايه

فيصل تايه

لا تكمن الأهمية الحقيقية لحصول أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين على اعتماد التميز المؤسسي من مكتب معايير التطوير المهني المستمر البريطاني، وفق المحاور السبعة لمعيار التميز (41000)، بوصفها أول مؤسسة أردنية تنال هذا الاعتماد، في الاعتراف الدولي بحد ذاته، بل في الدلالة التي يحملها على تطور بنيتها المؤسسية ونضج نموذج عملها. فالاعتماد هنا يتجاوز تقييم البرامج إلى تقدير قدرة المؤسسة على بناء منظومة متكاملة تتسق فيها الرؤية والقيادة والتخطيط والتنفيذ والتقويم والتحسين المستمر. وهذا هو الفارق بين مؤسسة تقدم التدريب، ومؤسسة تمتلك القدرة على قيادة التطوير المهني وإدامة أثره.

ولفهم قيمة هذه التجربة، لا بد من العودة إلى جذورها. فقد واكبنا نشأة الأكاديمية منذ بداياتها الأولى، وتابعنا مسيرتها المنطلقة من رؤية جلالة الملكة رانيا العبدالله وإيمانها بأن إصلاح التعليم يبدأ بالاستثمار في المعلم. ولم تكن هذه الرؤية دعوة إلى تحسين مهارات التدريس فحسب، بل تأسيسًا لفهم أعمق لمهنية التعليم، باعتبارها مهنة تتطلب إعدادًا نوعيًا، ونموًا مستمرًا، ومؤسسات قادرة على مواكبة التحولات التربوية.

وقد أسهم التعاون مع كلية المعلمين في جامعة كولومبيا في تأسيس التجربة وتطوير برامجها، كما امتد التعاون الدولي إلى معهد التربية في جامعة لندن لتطوير دبلوم إعداد المعلمين قبل الخدمة، بالشراكة مع الأكاديمية والجامعة الأردنية ووزارة التربية والتعليم. وتكمن قيمة هذه الشراكات في توظيف المعرفة الدولية وتكييفها مع السياق الأردني، لا في نقل نماذج جاهزة؛ فنجاح التجربة الوطنية يقاس بقدرتها على استيعاب الخبرة العالمية وتحويلها إلى ممارسة تستجيب لاحتياجاتها الخاصة.

وتستند قراءتي لمسيرة الأكاديمية إلى مشاركة مباشرة في برامجها منذ نشأتها، وإلى خبرة مهنية واطلاع مقارن على تجارب دولية وعربية. فقد اجتزت برامج متقدمة في تطوير القيادات التربوية والقيادة المدرسية الديمقراطية، واطلعت عن قرب على تجربة أكاديمية ديلينغن لتدريب المعلمين وتطوير القيادات التربوية في ولاية بافاريا الألمانية، كما تعرفت إلى تجربة كلية المعلمين في جامعة كولومبيا، وإلى تجارب تربوية عربية متعددة. ومن واقع هذه الخبرات، أرى أن الأكاديمية بلغت في جوانب مهنية وتطبيقية مهمة مستوى متقدمًا يضاهي تجارب مؤسسات دولية وعربية. وهذه شهادة تستند إلى المعايشة والمقارنة، لا إلى الانطباع أو المجاملة.

غير أن القيمة الأعمق للتجربة تكمن في التحول من التدريب بوصفه نقلًا للمعرفة والمهارة، إلى التنمية المهنية بوصفها إعادة بناء مستمرة للممارسة التعليمية. فالمعلم لا يصبح أكثر كفاءة بمجرد حضور برنامج تدريبي، بل بقدر ما ينعكس تعلمه على قراراته التربوية، واستراتيجياته الصفية، وقدرته على فهم احتياجات الطلبة والاستجابة لاختلاف قدراتهم. ومن هنا تبرز أهمية التطبيق والتأمل المهني والتغذية الراجعة والتعلم التشاركي، وترسيخ مفهوم «المعلم متعلم مدى الحياة».

لكن تطوير المعلم لا يكتمل بمعزل عن المدرسة. فالممارسة المهنية تتشكل داخل بيئة مؤسسية تحدد طبيعة القيادة، ومستوى التعاون، ومساحة المبادرة، والثقافة السائدة تجاه التعلم والتغيير. ولهذا تكتسب مسارات الأكاديمية في إعداد المعلمين قبل الخدمة وتطويرهم أثناءها وتأهيل القيادات المدرسية أهميتها؛ فهي تنطلق من رؤية تتجاوز تطوير الفرد إلى تطوير المؤسسة التعليمية. فالمدرسة المتقدمة ليست مجموعة معلمين مؤهلين فحسب، بل مجتمع تعلم مهني تقوده رؤية واضحة، وتتوزع فيه المسؤولية عن تحسين تعلم الطلبة.

ومن واقع عملي مديرًا لعدد من المدارس الكبرى، أدرك أن هذا الترابط ضرورة ميدانية لا مجرد تصور نظري. فقد كان التطوير المهني للمعلمين جزءًا أساسيًا من مسؤولياتي، وكانت تجربتي تؤكد أن نجاح التدريب لا يقاس بعدد الدورات أو المشاركين، بل بما يحدثه من تغيير في أداء المعلم، ونوعية التفاعل داخل الغرفة الصفية، ومستوى تعلم الطلبة. ومن هنا أرى أن التحدي المقبل أمام الأكاديمية هو الانتقال بصورة أعمق من قياس مخرجات التدريب إلى قياس أثره؛ من خلال مؤشرات ترصد تطور الممارسة الصفية، وتحسن البيئة المدرسية، واستدامة التغيير في تعلم الطلبة. فالتدريب الذي لا يترك أثرًا في الميدان يظل جهدًا لم تكتمل غايته.

ويبرز أمام الأكاديمية استحقاق آخر يتمثل في توسيع دائرة أثرها الوطني. فالمدارس الحكومية والخاصة والجامعات والمؤسسات التربوية تشكل أجزاء من منظومة تعليمية واحدة، ولا يمكن أن تتحقق جودة التعليم بصورة متوازنة إذا ظلت فرص التطوير المهني متفاوتة أو محدودة. ومن شأن توسيع الشراكات وتبادل الخبرات أن يجعل الأكاديمية مرجعية وطنية أوسع في التنمية المهنية، وأن يحول خبرتها المتراكمة إلى رافعة لتطوير مختلف مكونات النظام التعليمي.

وهنا تبرز مسؤولية الدولة والحكومة في الانتقال من الاحتفاء بالإنجاز إلى ضمان استدامته. فالشراكة الاستراتيجية مع وزارة التربية والتعليم، والدعم الحكومي المستمر، وتمكين الأكاديمية من الوصول إلى المعلمين والقيادات التربوية في مختلف محافظات المملكة، شروط أساسية لتحويل التميز المؤسسي إلى قيمة مضافة للتعليم الوطني. فالاستثمار في الأكاديمية ليس دعمًا لمؤسسة بعينها، بل استثمار في رأس المال البشري وفي قدرة الأردن على بناء تعليم أكثر كفاءة واستجابة لمتطلبات المستقبل.

إن الاعتماد الدولي محطة مهمة في مسيرة الأكاديمية، لكنه ليس غايتها النهائية. فالرهان الحقيقي يبدأ بعد الاعتراف، حين تتحول معايير التميز إلى ممارسة يومية، ويتحول التطوير المهني إلى تغيير ملموس في المدرسة والغرفة الصفية. وفي نهاية المطاف، لا تقاس قيمة الأكاديمية بما تحصل عليه من شهادات، بل بما تسهم في بنائه من معلمين أكثر كفاءة، وقيادات أكثر فاعلية، ومدارس أكثر قدرة على التعلم والتطور، وطلبة يمتلكون فرصًا أفضل للتعلم والنمو. عندها فقط يصبح التميز المؤسسي إنجازًا وطنيًا يتجاوز حدود المؤسسة إلى مستقبل الأردن وأجياله.

والله الموفق.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم