الدكتور فايز السعودي يكتب: من خطاب العرش إلى الإنجاز .. من يترجم التوجيهات ومن يحاسب على النتائج؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 20233
الدكتور فايز السعودي يكتب: من خطاب العرش إلى الإنجاز ..  من يترجم التوجيهات ومن يحاسب على النتائج؟
الدكتور فايز السعودي - وزير التربية والتعليم الأسبق

الدكتور فايز السعودي - وزير التربية والتعليم الأسبق

إن خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، في افتتاح الدورة العادية لمجلس الأمة، لا ينبغي أن يبقى في إطار التوجيهات والرؤى التي نحتفي بها عند صدورها، بل يجب أن يشكل منطلقاً لمرحلة جديدة من العمل المؤسسي، تُترجم فيها التوجيهات الملكية إلى برامج وخطط تنفيذية، ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

لقد حدد جلالة الملك أولويات وطنية تتعلق بالأمن والاستقرار والوحدة الداخلية، وسيادة القانون، والتنمية الاقتصادية، والأمن المائي، وتطوير التعليم والصحة، وتوفير فرص العمل وتحسين مستوى معيشة المواطنين.

ومن هنا يبرز السؤال: ماذا ستفعل مؤسسات الدولة بهذه التوجيهات؟ ومن المسؤول عن تنفيذها ومتابعتها ومحاسبة المقصرين؟

أقترح أن تتولى رئاسة الوزراء إعداد مصفوفة تنفيذية وطنية، تحدد مسؤولية كل وزارة ومؤسسة، والبرامج المطلوبة، والموازنات، والجداول الزمنية، ومؤشرات الإنجاز والأثر، ضمن برنامج تكميلي بعنوان «ترجمة التوجيهات الملكية إلى إنجاز وطني ملموس 2026–2029»، يتكامل مع البرامج والخطط القائمة ولا يكررها.

فالتعليم يُقاس بجودة التعلم وبناء الإنسان، والتشغيل بفرص العمل الحقيقية، والصحة بجودة الخدمات، والتنمية بما تحققه من أثر اقتصادي واجتماعي، لا بعدد التصريحات والاجتماعات والمشاريع المعلنة.

ولا يمكن الحديث عن الأمن الوطني والوحدة الداخلية دون التوقف عند جريمة قرية حمود في محافظة الكرك، التي استهدفت مواطنين أردنيين داخل كنيسة، وأودت بحياة تسعة مواطنين. إنها جريمة اعتداء على الأردن كله، وعلى قيم التآخي والعيش المشترك التي تجمع أبناءه.

لقد كشفت الحادثة خطورة الفكر التكفيري المتطرف، الذي يتقاطع مع فكر الخوارج في الغلو والتكفير واستباحة الدماء. ومواجهته لا تكون أمنياً فقط، على أهمية دور أجهزتنا الأمنية، بل من خلال مشروع وطني تشترك فيه التربية والتعليم، والجامعات، والمؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية، والإعلام، والأسرة، ومؤسسات المجتمع المدني؛ لترسيخ المواطنة وقبول الآخر، ومواجهة خطاب الكراهية والتطرف، وتحصين الأجيال فكرياً وثقافياً.

فالمطلوب ألا نكتفي بملاحقة الجريمة بعد وقوعها، بل أن نواجه الفكر الذي ينتجها، وأن نبني الإنسان قبل أن نضطر إلى مواجهة نتائج الانحراف والتطرف.

أما المتابعة والمساءلة، فيمكن البناء فيهما على منظومة قائمة تضم وحدة متابعة الأداء الحكومي والإنجاز في رئاسة الوزراء، ووحدات المتابعة في الوزارات، إلى جانب الدور الرقابي لمجلس الأمة، وديوان المحاسبة، وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد، كلٌّ وفق اختصاصه.

والمطلوب تفعيل هذه المنظومة من خلال تقارير دورية معلنة، تبين نسب الإنجاز، وأسباب التعثر، والجهات المسؤولة، والإجراءات التصحيحية، بما يتيح للمواطن والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني متابعة النتائج.

سيدي صاحب الجلالة،

إن الأردنيين يثقون بقيادتكم، ويعتزون بوطنهم ومؤسساته، ويتطلعون إلى رؤية توجيهاتكم واقعاً ملموساً في حياتهم ومستقبل أبنائهم. وما نحتاج إليه اليوم هو تكامل جهود مؤسسات الدولة، وتحمل كل جهة مسؤولياتها، والانتقال من ثقافة الوعود والخطط إلى ثقافة الإنجاز والمساءلة.

إن خطاب العرش يجب أن يكون بداية لمرحلة من العمل الوطني المشترك، يكون فيها بناء الإنسان، وحماية الوطن، وتعزيز وحدته، وتحقيق كرامة المواطن، أهدافاً تتقدم على كل اعتبار.

فالأوطان لا تُبنى بما نقوله عن المستقبل، بل بما ننجزه من أجله، ولا تُقاس كفاءة المؤسسات بما تعد به، بل بما تحققه وتتحمل مسؤولية نتائجه.

حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم