د. دانييلا القرعان يكتب: خطاب العرش والعلاقات الأردنية السورية: مرونة السياسة الأردنية وتغليب المصلحة العربية

منذ 46 دقيقة
المشاهدات : 8457
د. دانييلا القرعان يكتب: خطاب العرش والعلاقات الأردنية السورية: مرونة السياسة الأردنية وتغليب المصلحة العربية
د. دانييلا القرعان

د. دانييلا القرعان

خطاب العرش والعلاقات الأردنية السورية: مرونة السياسة الأردنية وتغليب المصلحة العربية... الدكتورة دانييلا القرعان

إن قراءة موقف الأردن من سوريا، في ضوء خطاب العرش السامي اليوم الاثنين 2 تشرين الثاني 2026، ينبغي ألا تقتصر على متابعة التصريحات المتعلقة بملف الحدود أو أحداث درعا، بل يجب أن تنطلق من فهم أوسع لثوابت السياسة الأردنية، القائمة على حماية الأمن الوطني، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها، والعمل من أجل استقرار المحيط العربي.

فالسياسة الأردنية لا تقوم على القطيعة مع الأشقاء عند حدوث الخلافات، ولا على تجاهل المخاطر الأمنية من أجل المجاملة السياسية، وإنما تسعى إلى الجمع بين حماية المصالح الوطنية والحفاظ على العلاقات العربية، وهي معادلة دقيقة تزداد أهميتها في ظل الظروف التي تمر بها سوريا والمنطقة.

ومن المهم التوقف عند حقيقة أن جلالة الملك لم يسمِّ سوريا أو درعا بالاسم في خطاب العرش، ولم يدخل في تفاصيل الخلافات الأمنية الأخيرة مع دمشق. ويمكن قراءة ذلك في إطار الابتعاد عن تحويل الخلافات الحدودية والإعلامية إلى مواجهة سياسية مفتوحة، مع الإبقاء على القضايا الثنائية في إطارها الدبلوماسي والأمني.

لقد أكد جلالته أن الأردن القوي هو الأقدر على الدفاع عن مصالحه وقضايا أمته، وأنه سيبقى سنداً لأشقائه، كما شدد على التمسك بالعروبة والعمل من أجل الكلمة العربية الموحدة. وهي مضامين تعكس الإطار العام الذي تتحرك ضمنه السياسة الأردنية، وتؤكد أن الأردن لا ينظر إلى أمنه الوطني بمعزل عن أمن محيطه العربي.

إن ما تشهده الحدود الشمالية، وما أثير حول أحداث درعا والجنوب السوري من محاولات تسلل وتهريب ونشاط جماعات مسلحة، يضع الأردن أمام مسؤولية لا يستطيع التخلي عنها، وهي حماية حدوده ومواطنيه. لكن حماية الأمن الوطني لا تعني بالضرورة الذهاب نحو التصعيد السياسي أو قطع قنوات التواصل مع دمشق.

وهنا تظهر مرونة السياسة الأردنية؛ فالأردن يستطيع أن يكون حازماً في مواجهة أي تهديد ينطلق من الأراضي السورية، وفي الوقت نفسه يحافظ على علاقاته مع الدولة السورية، ويدعم استقرارها ووحدة أراضيها. كما أن التعاون الأمني بين البلدين يظل ضرورة مشتركة، لأن استقرار الجنوب السوري يصب في مصلحة سوريا والأردن معاً.

ومن المهم أيضاً ألا نخلط بين سكان درعا وأهل الجنوب السوري عموماً وبين الجماعات المسلحة وشبكات التهريب التي تنشط في بعض المناطق. فدرعا محافظة سورية لها تاريخها وأهلها وروابطها الاجتماعية مع الأردن، ولا يجوز أن تتحول التحديات الأمنية إلى موقف سلبي من أهلها أو من الشعب السوري.

إن السياسة الأردنية ليست سياسة ردود فعل، بل سياسة مصالح وحسابات استراتيجية. فهي لا تجعل من كل اختلاف أزمة، ولا من كل أزمة قطيعة، ولا تتعامل مع العلاقات العربية بمنطق المكاسب الآنية. إنها توازن بين حق الدولة في حماية حدودها، وحق الدولة الشقيقة في سيادتها، وبين مقتضيات الأمن ومتطلبات التعاون العربي.

ولعل الرسالة الأوسع في خطاب العرش أن الأردن، رغم التحديات التي تحيط به، لا يريد الانكفاء عن محيطه العربي، بل يريد أن يكون قوياً ومستقراً وقادراً على مساندة أشقائه والدفاع عن قضايا الأمة. فالقوة الأردنية ليست موجهة ضد الأشقاء، وإنما هي عنصر من عناصر الاستقرار الإقليمي.

وفي المحصلة، لا يصح أن ننسب إلى خطاب العرش موقفاً تفصيلياً من درعا لم يرد فيه صراحة، لكن يمكن استخلاص اتجاه سياسي عام منه: الأردن متمسك بأمنه وسيادته، وفي الوقت ذاته متمسك بعروبته وعلاقاته مع أشقائه.

وهذه هي المرونة التي ينبغي أن نفهم بها السياسة الأردنية؛ حزم عندما يتعلق الأمر بأمن الأردن، ومرونة عندما يتعلق الأمر بإدارة العلاقات العربية، وانفتاح على التعاون متى التقت المصالح، دون التفريط بالثوابت الوطنية.

فالأردن لا يبحث عن خصومة مع سوريا، ولا يريد أن تكون درعا بؤرة توتر دائمة على حدوده، وإنما يريد سوريا مستقرة وآمنة، وحدوداً آمنة، وعلاقات أخوية تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل.

وهذا ليس تنازلاً عن الموقف الأردني، بل تعبير عن سياسة تدرك متى تستخدم أدوات القوة، ومتى تفتح أبواب الحوار، وكيف تجعل المصلحة العربية المشتركة حاضرة دون أن تغيب المصلحة الوطنية الأردنية.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم