عواد يكتب: «شعبي وسندي» .. قراءة استراتيجية في خطاب العرش: حين يكون المواطن مركز ثقل الأمن الوطني

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 13318
  عواد يكتب: «شعبي وسندي» ..  قراءة استراتيجية في خطاب العرش: حين يكون المواطن مركز ثقل الأمن الوطني
م. أحمد نضال عواد

م. أحمد نضال عواد

«أيها الأردنيون.. شعبي وسندي». بهذه العبارة اختتم جلالة الملك عبداللّه الثاني، يحفظه اللّه، خطاب العرش السامي في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين. ولم تكن مجرد عبارة وجدانية تليق بلحظة وطنية استثنائية، بل حملت دلالة استراتيجية تتجاوز بعدها العاطفي؛ فهي، في قراءة المحلل الاستراتيجي، المفتاح الذي يمكن من خلاله فهم الرسائل الأساسية للخطاب كله. فحين يصف القائد شعبه بأنه «سندي»، فإنه يؤكد أن الإنسان الأردني، بوعيه وتماسكه وانتمائه وثقته بمؤسساته، يمثل أحد أهم مراكز الثقل في معادلة الأمن الوطني الأردني.

فالدولة لا تستمد منعتها من قدراتها العسكرية والأمنية وموقعها الجيوسياسي فحسب، بل من تماسك مجتمعها، وثقة مواطنيها بمؤسساتها، وقدرتهم على التعامل الواعي مع التحديات. ومن هنا يصبح المواطن شريكاً في إنتاج الأمن الوطني وحمايته، لا مجرد متلقٍّ لنتائجه.

ومن هذا المنطلق، لم يكن خطاب العرش خطاباً افتتاحياً بالمعنى البروتوكولي، بل خطاباً يحمل منطقاً استراتيجياً متكاملاً، تتضح فيه الغايات الوطنية، وتتحدد الأولويات، وتبرز اتجاهات العمل، وتُسمّى التحديات والمخاطر بوضوح.

أولاً: الرهان على الأردني.. عقيدة الصمود قبل عقيدة الردع.

افتتح جلالته الخطاب بالجرح الوطني: «امتدت يد الإرهاب الغادرة لتختبر صلابة دولتنا وعزيمة شعبنا». واللافت أن الرسالة لم تقتصر على البعد الأمني، بل امتدت إلى البعد الوطني والهوياتي حين أكد: «هؤلاء ليسوا منا.. هؤلاء خرجوا عن عائلتنا الأردنية العظيمة.. وخانوا هذه الأسرة». فالإرهاب لا يستهدف الأرواح والمنشآت فحسب، بل يسعى إلى ضرب التماسك المجتمعي وإثارة الانقسام، ولذلك فإن عزل الخطاب الإرهابي عن الهوية الوطنية، وتحصين الانتماء، يسهمان في إحباط غايته المتمثلة في اختراق النسيج الوطني.

ثم جاءت المعادلة الثلاثية التي تختصر الرهان على الإنسان الأردني: «ولا يزال رهاني على الأردني، على وعيه حين تلتبس الطرق، وعلى حكمته حين تعلو الانفعالات، وعلى إخلاصه ووفائه حينما تشتد المحن». وهذه ليست بلاغة سياسية فحسب، بل تعريف عملي لمقومات المنعة الوطنية؛ فالوعي يقاوم التضليل، والحكمة تمنع الانفعال من التحول إلى انقسام، والإخلاص والوفاء يحفظان تماسك الجبهة الداخلية حين تضغط الأزمات.

وبذلك يقدم الخطاب الصمود المجتمعي بوصفه أحد خطوط الدفاع الأساسية عن الدولة، تسنده قوة الجيش العربي والأجهزة الأمنية الذين وصفهم جلالته بأنهم «جند أشاوس لا تغفل أعينهم». فالقوة الصلبة تحمي حدود الوطن، والوعي المجتمعي يحمي تماسكه من الداخل. وهنا تتجلى المرونة الاستراتيجية للدولة الأردنية؛ فالقوة لا تُقاس بالقدرة على منع التهديد فقط، بل بالقدرة على امتصاص الصدمات والتكيف معها، والحفاظ على تماسك المجتمع واستمرار عمل المؤسسات.

ثانياً: «واهم».. رسائل ردع بلغة الثوابت الوطنية.

في الملف الفلسطيني، صاغ جلالته رسالة واضحة من ثلاث جمل تختصر ثبات الموقف الأردني: «فمن ظن أن الطغيان يمنح الشرعية.. واهم. ومن ظن أن الزمن يمحو الحقيقة.. واهم. ومن ظن أن الأردني يتراجع عن مبادئه.. أيضاً واهم».

وفي القراءة الاستراتيجية، تعكس هذه العبارات مرتكزات مهمة في بناء المصداقية الردعية: ثبات الموقف، واستمرارية الالتزام، ووضوح الرسالة السياسية. فالمصداقية تستمد قوتها من الامتداد التاريخي للثبات الهاشمي، وهو ما عبّر عنه جلالته بقوله: «كما كان أبي من قبلي وسيكون ابني من بعدي»، ليؤكد أن الموقف الأردني نهج راسخ لا استجابة ظرفية. ووضوح الرسالة تجلى في تسمية مصدر التهديد بلا التباس: «الأطماع التوسعية الإسرائيلية أكبر تهديد لمستقبل المنطقة وآمالها». إنها رسالة ردع سياسي ومعنوي ترفض منح الأمر الواقع المفروض بالقوة أي شرعية، وترفض أن يتحول الانتهاك بفعل الزمن إلى حقيقة مقبولة.

ثالثاً: الجبهة الداخلية.. مؤسسات لا شعارات.

أكد جلالة الملك يحفظه اللّه أن «الأردنّ القوي هو الأقدر على الدفاع عن مصالحه وعن قضايا أمته»، وهي عبارة تختصر العلاقة العضوية بين قوة الدولة داخلياً وقدرتها على التأثير خارجياً؛ فالمصداقية الدولية تستند إلى التماسك الداخلي، والجبهة الداخلية رافعة للموقف الخارجي لا مجرد مساحة لإدارة التحديات المحلية. وهذه المنعة لا تتحقق بالشعارات، بل بمؤسسات فاعلة وموثوقة، ومشاركة سياسية مسؤولة، ومساءلة تعزز الثقة بين المواطن والدولة.

ومن هنا جاءت رسالة جلالته إلى مجلس الأمة بأن يكون «صوتاً للوطن، وحارساً للمصلحة العامة، ورقيباً على الأداء الحكومي»، مؤكداً أن «اختلافكم في الرأي قوة، طالما كانت مصلحة الأردن هي الغاية»، ولافتاً إلى أن الأردنيين لا ينظرون إلى ما يصدر عن القبة من قوانين فقط، «بل إلى ما يصدر عنها من سلوك وخطاب». وفي لغة التخطيط الاستراتيجي، فإن شرعية الأداء المؤسسي وجودة الممارسة السياسية عنصران أساسيان في بناء القوة الوطنية؛ فالمؤسسات لا تكتسب مكانتها بالنصوص وحدها، بل بأداء يلمسه المواطن ويثق به.

رابعاً: «المياه، المياه، المياه!».. حين ترتقي الأولوية إلى مصاف الأمن الوطني.

لعل من أبرز لحظات الخطاب تكرار جلالته لكلمة «المياه» ثلاث مرات. وفي أدبيات الأمن الوطني، يمكن قراءة هذا التأكيد المتكرر باعتباره تعبيراً عن ترسيخ الأمن المائي ضمن أولويات الأمن الوطني، في سياق يقترب من مفهوم الأمننة في مدرسة كوبنهاغن، حيث تنتقل القضية من نطاق الإدارة القطاعية إلى نطاق الأولويات الأمنية العليا.

وقد حدد جلالته هذه الأولوية بوضوح: «لن نسمح بأن يكون ظمأ الأردنيين رهينة لأي ظرف، فلا مجال للمساومة أو المهادنة فيه». وهذا يرسّخ الأمن المائي مصلحة وطنية أساسية قد ترتقي إلى مصلحة حيوية، نظراً إلى أنها تتجاوز حدود الإدارة القطاعية للموارد لتصبح جزءاً أصيلاً من منظومة الأمن الوطني وحقوق الأجيال القادمة.

والأهم أن التوجيه الملكي لم يقتصر على الاستمرار في مشاريع الأمن المائي، بل أكد ضرورة «وضع خطط استباقية لحماية موارد الوطن»، أي الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى استشراف المخاطر والاستعداد لها. وهذا جوهر التفكير الاستراتيجي: أن تبني الدولة قدرات تتوقع التحديات وتتعامل معها قبل أن تتحول إلى أزمات.

خامساً: التنمية التي يلمسها المواطن.. قياس الأثر لا حجم النشاط.

وضع جلالة الملك معياراً واضحاً لنجاح السياسات العامة حين أكد أن «مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار لا على هامشه»، وأن «التنمية الحقيقية هي التي يلمس المواطن أثرها في معيشته، وفرصه، وتعليمه، وعلاجه، ومستقبل أبنائه». وبهذا انتقل الخطاب من النظر إلى التنمية باعتبارها مشاريع واتفاقيات ومؤشرات إنفاق، إلى تقييمها من خلال أثرها الملموس في حياة المواطن، وهو جوهر التخطيط الاستراتيجي القائم على قياس النتائج لا حجم الأنشطة.

وهنا تتشكل العلاقة التبادلية بين الأمن والتنمية؛ فالأمن يوفر البيئة اللازمة للاستثمار والإنتاج، والتنمية تعزز فرص العمل والعدالة والثقة بالمؤسسات بما يحد من مصادر الهشاشة. إنها علاقة تجعل التنمية إحدى أدوات إنتاج الأمن، والأمن شرطاً لاستدامة التنمية. ومع دعوة الحكومة إلى التسريع في إنجاز المشاريع الكبرى، يصبح الزمن نفسه مورداً استراتيجياً، وكفاءة التنفيذ جزءاً من مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها.

سادساً: سيادة القانون.. هيبة الدولة تبدأ من الداخل.

حسم جلالة الملك هذا المحور بعبارات واضحة: «لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أيا كان، فهيبة الدولة وسيادة القانون يتقدمان على كل شيء. القانون لا يعرف اسماً، ولا منصباً، ولا نفوذاً». وفي منطق الأمن الوطني، لا تمثل إساءة استخدام السلطة مخالفة إدارية أو قانونية فحسب، بل قد تتحول إلى مصدر لإضعاف الثقة العامة وإحداث فجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فقوة الدولة لا تقاس بقدرتها على تطبيق القانون على المخالفين فحسب، بل بضمان خضوع الجميع له دون استثناء.

سابعاً: من خطاب العرش إلى معادلة الأمن الوطني الشامل.

عند قراءة الخطاب كوحدة استراتيجية واحدة، تتضح معادلة وطنية مترابطة تقوم على خمسة مرتكزات: قوة الدولة ومؤسساتها، وتماسك الجبهة الداخلية، وثبات الموقف السياسي، واستدامة الموارد والتنمية، وسيادة القانون. وتتفاعل هذه المرتكزات ضمن منظومة واحدة، يكون الإنسان الأردني مركز ثقلها وغايتها، والثقة المتبادلة بين القيادة والمواطنين مصدر قوتها واستدامتها، في بيئة إقليمية ودولية تتسم بالتغير وعدم اليقين.

وهكذا تكتمل الدائرة عند المواطن؛ يبدأ الخطاب بتأكيد قدرة الدولة على مواجهة الإرهاب وحماية تماسكها، وينتهي بتجديد الثقة بالشعب الأردني بوصفه سند الدولة وركيزة استقرارها. إنها معادلة للأمن الوطني الشامل: وعي الأردني مصدر قوة، وتماسكه عنصر ردع، وثقته بمؤسساته ركيزة للمنعة الوطنية والمرونة الاستراتيجية.

وحين يقول جلالة الملك: «وأنتم موضع ثقتي، وأهلي وعشيرتي أمانة في عنقي»، فإنه يجدد تأكيد جوهر العلاقة بين القيادة والشعب، القائمة على الثقة المتبادلة والمسؤولية الوطنية والانتماء الصادق الذي يترجم بالعمل والإنجاز.

ويبقى هذا الرهان مسؤولية مشتركة؛ فحماية الأردنّ مسؤولية مشتركة تساهم فيها جميع مؤسسات الدولة وكل مواطن، كلٌّ من موقعه،
ولنتذكر دائماً أنّ النجمة السباعية في علم بلادنا الغالية تستحقُّ منّا جميعاً الأفضل دائماً.

نسال اللّه أن يحفظ أردنّنا الغالي آمناً مستقراً، عزيزاً منيعاً مزدهراً، في ظل قيادتنا الهاشمية الحكيمة الملهمة.



المهندس أحمد نضال عواد
الباحث في الأمن الوطني والدراسات الاستراتيجية
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم